Original protest photo unchanged

السابع من أكتوبر : رؤية من صوماليلاند

الكاتب/ عبدالرحمن حسن 

قبل أيام مرت علينا ذكرى السابع من أكتوبر بحمولتها الثقيلة على أهل غزة خاصة وأهل فلسطين والعالم العربي والإسلامي جمعاء، لما اُرتكب بحقهم من جرائم تندى لها الإنسانية من قبل الحكومة الإسرائيلية، وعلى الرغم من فداحة هذه الجرائم، فإن إسرائيل وبدرجة عالية من اللامبالاة السياسية والبلادة الإنسانية تضع قتلاها فوق شهداء غزة وفلسطين تتخذها مبرراً للعمليات العسكرية التي شنتها في غزة وما تزال مستمرة فيها، ويرى كثير من المتابعين أن ادعاءاتهم يشوبها الكثير من الضبابية وتضع أسئلة أكثر من كونها تؤكد حقائق الإدعاء. وفي مقالنا هذا سنتناول أحداث السابع من أكتوبر من وجهة نظر مختلفة وغير مألوفة، وبعيدا عن طرفي المعادلة الأساسيين. سنتناول هذا الحدث الذي ترك آثاراً عميقة في التوازنات الجيوسياسية للمنطقة من وجهة نظر طرف طالما كان بعيدا عن عين أحداث الشرق الأوسط، إننا سنسلط الضوء وسنحاول استكشاف رؤى أهل الصومال وخاصة شماله أو ما اصطلح عليه أهله تسميتها بـــ”صوماليلاند”. ويعود سبب تركيزنا على هذه المنطقة لعدة أسباب أهمها الاعتراف المتبادل بين حكام صوماليلاند وإسرائيل في نهاية 2025 وما تلى ذلك من زوبعات إعلامية وسياسية واتهامات متنوعة لصوماليلاند حكومة وشعبا. ويهمنا في هذا الاستكشاف أن نتعرف على حقيقة رؤى وآراء النخب ومكونات الشعب الصومالي في صوماليلاند. وقد جرى استطلاع آراء عدد من هذه النخب من خلال مقابلات متعددة، والتي شملت العديد من مكونات الشعب كالنخب السياسية والقيادات القبلية والعلماء والفواعل الشبابية والنساء حول عدد من المواضيع ذات العلاقة بأحداث السابع من أكتوبر، كما استُخدمت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً إضافياً لتتبع الأفكار وفهم الاتجاهات العامة والفكرية، وقد استمرت هذه اللقاءات مدة ثلاثة أشهر. 

السابع من أكتوبر هزيمة استراتيجية لإسرائيل بكافة المعايير

ترى معظم النخب المجتمعية التي تمت مقابلتها أن أحداث السابع من أكتوبر مثلت من وجهة نظرها هزيمة استراتيجية لإسرائيل لأنها أظهرت ثغرات جوهرية في المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بالرغم من أنها ألحقت أذى كثيرا بالشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، جاءت هذه الهزيمة الاستراتيجية في ظل أنها كانت تتبجح خلال العقود الماضية بقوتها العسكرية وتفوقها التكنولوجي والاستخباراتي في المنطقة. فقد منيت بالهزيمة من قبل عدد قليل من المناضلين الفدائيين ذوي الإمكانات العسكرية المحدودة من الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر لسنوات اقتربت من العشرين عاما، استطاعوا أن يباغتوا اسرائيل في السابع من أكتوبر وأن يقتحموا الأسوار الأمنية المدججة بأحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية عالميا، وأن يأسروا منهم عددا كبيرا في سويعات قليلة وأن يثخنوا فيهم الجراح فضلا عن القتلى، كما أن الهجوم الفلسطيني الفدائي شل القدرات العسكرية الإسرائيلية لعدة ساعات قبل أن تقوم إسرائيل بردها العسكري، وهو ما شكل فشلا أمنيا وعسكريا إسرائيليا تزعزعت على إثرها ثقة المجتمع الإسرائيلي بالمؤسستين العسكرية والاستخباراتية وبالقيادة السياسية. وقد اعتبرته نخب صوماليلاند من وجهة نظرهم إنجازا عسكريا وأمنيا استثنائيا نابعا من عقيدة قتالية عميقة منبعها الوطن المحتل، وقد كشف هذا الصمود  الأسطوري من الشعب الفلسطيني أن صورة إسرائيل بوصفها قوة لا تُهزم تعرضت لاهتزاز كبير. وقد أكدت تلك النخب على هذا الرأي من خلال استحضار مشاهد استهداف الدبابات الإسرائيلية من مسافة صفر وبأسلحة وقنابل محلية الصنع وبأجساد فلسطينية ضعيفة حافية القدمين، وهذا بالرغم أن إسرائيل حصلت على دعم دولي كبير وغير مسبوق من حلفائها من الدول الغربية وغيرها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي أمدتها بأحدث الأسلحة والتكنولوجيات العسكرية والمعدات الاستخباراتيةبالإضافة إلى العناصر القتالية. 

وترى النخب الصومالية من صوماليلاند أيضا أن من نتائج السابع من أكتوبر هو تراجع التأييد الغربي حكومات وشعوبا، حيث شكلت الدماء الفلسطينية التي أهريقت بغير وجه حق صدمة سياسية وإعلامية واجتماعية أظهرت للشعوب الحرة في الغرب وحشية إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في ظل الصراع الممتد منذ نكبة عام 1948، من جانب آخر أظهرت لهم هذه الفاجعة الإنسانية توغل جماعات الضغط الإسرائيلية في المؤسسات السياسية في بلدانهم وتأثر قرارات قياداتها بنفوذهم إلى درجة مخيفة، وهو ما أدى إلى تحول في المزاج لدى الأجيال الشابة في الغرب وظهور الحركات الاحتجاجية في أوروبا وأمريكا وتوسعها لتشمل النخب السياسية والإعلامية الرافضة للنفوذ الإسرائيلي في بلدانهم. وقد تحولت بذلك صورة اسرائيل من “ضحية الهجوم” إلى متهم بالإبادة الجماعية، وقد شكلت قرارات المحكمة الجنائية والتي أصدرت مذكرتين دوليتين بحق كل من نتنياهو وغالانت صدمة سياسة أخرى بالإضافة إلى موجة الاعترافات الغربية بدولة فلسطين.

وأيضا شكل العدوان الاسرائيلي على غزة حرب استنزاف لها مع استمرار فشلها في القضاء على حماس والمنظمات الفلسطينية المنخرطة معها في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. وهو ما أربك قيادات إسرائيل، وعوضا عن التركيز على جبهة غزة فتحت إسٍرائيل على نفسها جبهات أخرى مثل سوريا ولبنان وإيران واليمن وبكلفة اقتصادية وبشرية غير مسبوقة، ودون أن تتمكن من حسم الصراع في أي من تلك الجبهات سوى تدمير البنية التحتية والقتل بلا حدود. ومما يجدر لفت النظر إليه أن هذه الجبهات لديها إرث تاريخي في امتصاص الاعتداءات ومحاولات العدوان والاحتلال التاريخية ريثما تعيد شعوبها ترتيب صفها الداخلي لرد العدوان وإلحاق الهزيمة به. ويأتي العدوان الإسرائيلي المفتوح على جبهات عدة كأحد تداعيات هذه الهزيمة الاستراتيجية لإسرائيل واختلال بوصلتها السياسية، وقد انعكس ذلك على تغير في سياساتها الأمنية ومقارباتها العسكرية في المنطقة، فلقد أضحت الحرب ضرورة وقائية تتضاءل أمامها كل محاولات السلام التي ما عادت تؤمن بها، كما أن ممارساتها الحالية تؤكد على أنها تفضل الحروب الاستباقية لتحقيق النصر بدلا من الدفاع من أي هجوم مفاجئ.

طوفان السابع من أكتوبر أغرق مركب التطبيع 

شكل التطبيع لدى الإسرائيليين هاجسا منذ اتفاقية السلام مع مصر، إذ رسخ لديهم أن التطبيع أمامه حكومات رافضة وشعوب ممانعة، لذا كان من الملفات التي تناوب عليها ساسة سياسيون دون نتائج تذكر، إلا أن العام 2020 شكل لحظة تحول جذرية إذ قامت أربع دول بالتطبيع معها هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان من خلال اتفاقيات أبراهام، وهي العنوان الجديد للتطبيع، وسعت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل توسيعها إلا أن طوفان السابع من أكتوبر أوقفها بل أغرقها تماما. حيث سقط القناع عن تسويق اتفاقية أبراهام بوصفه سلاما اقتصاديا بلا ثمن سياسي، وأكد الطوفان أن التطبيع تحت أي مسمى لن يتمكن من أن يقفز على القضية الفلسطينية جوهر القضايا في المنطقة وقدتها، ولن يحقق استقرارا في المنطقة بل سيؤجل الانفجار، وعليه لا سلام دون الجواب عن سؤال قضية فلسطين.

من جانب آخر، كشف التطبيع أن مغزى إسرائيل منه أمران لا ثالث لهما، الهيمنة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وتوريط المنطقة في الحروب والصراعات، وبحسب النخب المستطلعة آراؤها فقد رأت أن المستفيد الأكبر من الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران هو إسرائيل، أما الخاسر الأكبر فهي دول الخليج العربي والأردن واليمن والمنطقة بشكل عام،والتي حاولت إسرائيل وما زالت أن تضم ما تبقى منها إلى اتفاقيات إبراهام، وبدلا من ذلك أصبحت دول الخليج العربي هدفا للرد الإيراني على العدوان الأمريكي والإسرائيلي، مما أدى إلى تأثر اقتصادياتها واستقرارها السياسي بشكل كبير. وقد زاد الطينة بلة أزمة مضيق باب المندب، حيث لم يكن للقواعد العسكرية والتحالف الأمريكي في المنطقة أي دور لمساندة المملكة العربية السعودية في رد العدوان الحوثي، مما ألجأها إلى إنشاء تحالف مكة مع كل تركيا وباكستان في محاولة لإعادة التوازن لعلاقاتهاالسياسية والأمنية. وهذا الخذلان الأمريكي ومن قبله العدوان الإسرائيلي في أكثر من دولة زاد من منسوب ضعف الثقة بالتطبيع ومن يمكن بزمامه.

صوماليلاند في المعادلة الإسرائيلية 

أكدت نخب صوماليلاند أن الخطوة حكومة صوماليلاند نحو السعي لكسب الاعتراف الدولي من قبل إسرائيل والتي أصبحت دولة منبوذة أمام المجتمع بسبب عدوانها على غزة وذلك حتى من الدول التي كانت تدعمها إلى عهد قريب، كانت خطوة سياسية غير مدروسة بعمق، وتفتقر للحنكة السياسية وبغياب الحاسة الاستراتيجية لدى حكام صوماليلاند في التعاطي مع المعادلات الجيوسياسية في المنطقة. فقد أسبل عليها هذا الاعتراف عبئا سياسيا أضر بقضيتها العادلة ومساعيها للحصول على الاعتراف. فبدلا من أن تتخذ موقفا سياسيا أخلاقيا من العدوان الإسرائيلي على أهل غزة، رأت أن تصطف مع المعتدي ضد الشعب الفلسطيني المضطهد، وهذا الموقف غير الناضج سياسيا أضر بسرديتها والتي تتركز حول تعرضها للظلم والاعتداء،بل والتطهير العرقي من قبل الحكومات المتعاقبة في مقديشو. كما أن موقفها مع إسرائيل شكل تحديا لها في علاقاتها مع معظم دول المنطقة وخاصة الفاعلين منهم، والتي اصطفت مع حكومة مقديشو في رفضها للاعتراف، وهو ما أعطى دفعة للحياة كانت تحتاجها مقديشو نظرا للأزمات السياسية التي تعيشها وما زالت، وفي المقابل دُفعت صوماليلاند إلى ركن العزلة السياسية إقليميا. 

ومن الملاحظات التي أبدتها نخب صوماليلاند هي أن حكومة صوماليلاند تريد أن ترهن البلد وشعبه وما يحويه من خيرات إلى الولايات المتحدة وإسرائيل دون النظر في العواقب التي ستترتب على ذلك، في مقابل اعترافلم يصدر من منظمة الأمم المتحدة. كما أنها تعرض نفسها على أنها يمكن أن يكون لها دور في حفظ أمن باب المندب، بل وحتى المشاركة في القوات الدولية التي سترسل إلى غزة. وهذا لا يتوافق مع الإمكانات العسكرية والأمنية واللوجستية الحالية لصوماليلاند، وهذا الأمر سيجعل صوماليلاند الطرف الأضعف، وبالتالي ستكون لأجندة إسرائيل اليد العليا حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بمصالح صوماليلاند، وهذا الأمر لا يظهر أن النخبة الحاكمة في صوماليلاند تدركه أو تعي لخطورته، وتجربة دول الخليج في توريطها في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ظاهرة للعيان. وعليه تؤكد نخب صوماليلاند أن محرك العلاقة بين إسرائيل هو الهواجس الأمنية والطموحات السياسية غير المشروعة في المنطقة وليست عدالة قضيتها، وبالتالي فن هدفها يتمثل في توسيع نفوذها للاضطرار بدول المنطقة وخاصة الفاعلة منها كالسعودية وتركيا ومصر، وهذا سيقود إلى أن تكون صوماليلاند نقطة صراع أخرى بين إسرائيل ودول المنطقة ولهذا الأمر تداعياته الخطيرة داخليا، وخاصة في ظل ما تعيشه صوماليلاند من أزمات اقتصادية وتصاعد التوترات السياسية والأمنية داخليا . وختاما يرى المشاركون في المقابلات من نخب صوماليلاند أنها ما زالت تأمل أن تقوم حكومة صوماليلاند بمراجعة خياراتها السياسية وإعادة تقييم انعكاساتها الاستراتيجية على مستقبل قضية صوماليلاند، بدلا من قيامها بوضع يدها بيد إسرائيل وطلب الدعم والاعتراف وهي التي تلوثت يدها بدماء الأبرياء من الشعب الفلسطيني، وهي التي قادت المنطقة إلى اللااستقرار السياسي والاقتصادي بسبب عدوانها مع الولايات المتحدة على إيران، وذلك قبل أن يتم تصويب مدافع الحرب إلى أراضي صوماليلاند لتنال من استقرارها السياسي واقتصادها الهش. كما ترى أن مصيرها مرتبط بدول المنطقة وخاصة العربية منها، ولذا ترى أن الحوار والتفاهم هو الوسيلة الأنجع لفك الاشتباكات والاختناقات السياسية في المنطقة، كما ترى أن قضيتها جوهرية ولا يمكن التنازل عنها ولكن يجب أن يتم التعامل معها داخليا بعيدا عن استقطابات المنطقة، والتي قد تضرها مع مراعاة تأثير التوازنات الإقليمية والدولية، وهذا يتطلب أن تكون كفاءة العاملين في الملفات السياسية في صوماليلاند أكثر قدرة وقابلية من الحاليين. 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *