ChatGPT Image Feb 7 2026 12 01 53 AM

بقلم / الاستاذ عمر ابو رهف

مقدمة

جاء خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أمام مجلس نواب الشعب في لحظة سياسية دقيقة، تعكس تداخل الأزمات الداخلية مع التحولات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا. ولم يكن الخطاب مجرد عرض لسياسات حكومية أو حصيلة إنجازات، بقدر ما مثّل محاولة لإعادة ترتيب السردية الرسمية للدولة، داخليًا وخارجيًا، وربط الشرعية السياسية للحكومة برؤيتها لدور إثيوبيا الإقليمي. وقد توزّع الخطاب على محورين رئيسيين: خارجي سعى من خلاله إلى إعادة تعريف موقع إثيوبيا في القرن الأفريقي، وداخلي ركّز فيه على السلام والحوار الوطني والانتخابات والإصلاح الاقتصادي.

أولًا: المحور الخارجي

إريتريا وإعادة صياغة سردية حرب تيغراي

شكّل الخلاف مع إريتريا جوهر المحور الخارجي في الخطاب، حيث انتقل آبي أحمد من مرحلة التحفظ والصمت التي اتسمت بها المواقف الرسمية خلال حرب تيغراي، إلى خطاب اتهامي مباشر يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز مجرد التوصيف الأخلاقي للانتهاكات. فاتهامه القوات الإريترية بارتكاب فظائع واسعة في تيغراي لا يمكن فصله عن مسعى واضح لإعادة صياغة سردية الحرب، ونقل جزء من كلفتها السياسية والأخلاقية إلى الخارج، بعد أن شكّلت الحرب عبئًا ثقيلًا على صورة الحكومة الإثيوبية داخليًا ودوليًا.
وفي هذا السياق، يحرص آبي أحمد على الفصل بين الخلاف مع إريتريا وبين ملف الوصول إلى البحر الأحمر، في محاولة لنزع الطابع التصعيدي عن الطموح البحري الإثيوبي، وتقديمه كحق تنموي مشروع لا كأداة ضغط أو تهديد. كما أن توصيفه لمواقفه باعتبارها “توثيقًا تاريخيًا” يعكس رغبة في تبرير صمت الحكومة السابق، وامتصاص الانتقادات المتعلقة بالتواطؤ أو التغاضي عن الانتهاكات.
سياسيًا، يحمل الخطاب رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل، مفادها أن الحكومة لم تكن شريكًا في ما جرى من انتهاكات، والثانية إلى الخارج، خصوصًا الشركاء الدوليين، بهدف إعادة ضبط صورة إثيوبيا كدولة سعت إلى الاحتواء لا التصعيد.

القرن الأفريقي: تبرير الصراعات وإعادة التموضع الإقليمي

في تناوله للقرن الأفريقي، سعى آبي أحمد إلى إدراج أزمات إثيوبيا ضمن إطار إقليمي أوسع، تُفسَّر فيه الصراعات باعتبارها نتاجًا لتداخل المصالح الخارجية والتنافس على الموارد المشتركة، وعلى رأسها المياه. هذا الطرح لا يخلو من بعد تبريري، إذ يخفف من مسؤولية العوامل الداخلية، ويقدّم النزاعات بوصفها جزءًا من بيئة إقليمية مضطربة لا استثناء إثيوبيًا فيها.
في المقابل، يحاول الخطاب تثبيت صورة إثيوبيا كفاعل إقليمي مسؤول، يدعو إلى الاستقرار والتكامل، ويعوّل على المبادرات الإقليمية كبديل عن منطق الصراع الصفري، بما يعزز طموح أديس أبابا للعب دور محوري في إعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي.

البحر الأحمر: طموح استراتيجي بخطاب غير تصادمي

يعكس حديث آبي أحمد عن البحر الأحمر محاولة دقيقة للجمع بين الإصرار والتهدئة. فالتأكيد على أن إثيوبيا والبحر الأحمر “كيانان لا ينفصلان” يرسّخ الطموح البحري بوصفه مسألة وجودية واستراتيجية، في حين أن نفي النوايا العسكرية، وطرح صيغ تفاوضية غير تقليدية، يهدف إلى طمأنة دول الجوار وتخفيف المخاوف من تحوّل هذا الطموح إلى مصدر توتر إقليمي.
سياسيًا، يترك الخطاب هذا الملف مفتوحًا دون تصعيد مباشر، محافظًا عليه كورقة تفاوض طويلة الأمد، قابلة للتوظيف وفق موازين القوى الإقليمية والدولية.

ثانيًا: المحور الداخلي

السلام والحوار الوطني: تشخيص الأزمة وإعادة تحميل المسؤوليات

في الشق الداخلي، قدّم آبي أحمد تشخيصًا نقديًا لأزمة السلام في إثيوبيا، محمّلًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية لما وصفه بثقافة اللجوء إلى القوة وعقلية التخوين المتجذرة في المجتمع والسياسة. هذا الطرح، وإن بدا اعترافًا ضمنيًا بإخفاقات الماضي، فإنه في الوقت ذاته يعيد توزيع المسؤولية، من الدولة إلى المجتمع والنخب السياسية، بما يخفف من كلفة الإخفاقات الحكومية المباشرة.
ويأتي الإشادة بمشروع الحوار الوطني في هذا السياق كأداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، وإظهار الحكومة بوصفها راعية لمسار سلمي شامل، حتى وإن ظل هذا المسار موضع تشكيك من بعض القوى السياسية.

تيغراي والمناطق المتنازع عليها: من الصراع إلى الاحتواء السياسي

يحمل حديث آبي أحمد عن تيغراي دلالات سياسية لافتة، إذ يتجاوز منطق الحسم الأمني نحو خطاب الاحتواء السياسي المشروط. فالدعوة إلى تحوّل شعب تيغراي من “مسرح للصراع” إلى “فاعل سياسي” تعكس رغبة في دمج الإقليم ضمن النظام السياسي القائم، مع تحميل نخب الإقليم مسؤولية الانتقال من المواجهة إلى الشراكة.
وفي ملف المناطق المتنازع عليها، ولا سيما ولغايت، يتبنى الخطاب مقاربة توازن بين تأكيد حق السكان في السلام ورفض التدويل أو التدخل الخارجي، وهو ما يعكس حرص الحكومة على إبقاء هذا الملف ضمن الأطر السيادية، وتجنّب تحوّله إلى بؤرة ضغط دولي جديدة.

الانتخابات: الرهان على الشرعية الإجرائية

إصرار آبي أحمد على أن نتائج الانتخابات المقبلة هي المعيار الوحيد للحكم عليها يعكس رهانًا واضحًا على الشرعية الإجرائية، في ظل إدراكه لحساسية المناخ السياسي. غير أن هذا الرهان يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة على توفير بيئة سياسية وأمنية تسمح بمشاركة واسعة، وهو ما سيحدد ما إذا كانت الانتخابات ستعزز الاستقرار أم تعيد إنتاج الانقسام.

محور الاقتصاد: خطاب الأرقام وحدود الثقة

في الملف الاقتصادي، اعتمد رئيس الوزراء بشكل واضح على “خطاب الأرقام” لتعزيز الثقة، داخليًا وخارجيًا، وتقديم الإصلاحات الاقتصادية باعتبارها قصة نجاح قيد التحقق. غير أن البعد التحليلي يكشف أن هذا الخطاب يسعى أيضًا إلى تحييد الاقتصاد عن التجاذبات السياسية، وربط الاستقرار السياسي بوعود النمو وتحسن المؤشرات المعيشية.
وتعكس حزمة التدخلات الهيكلية التي عرضها آبي أحمد محاولة للانتقال من إدارة الأزمات قصيرة الأجل إلى معالجات بنيوية طويلة المدى، إلا أن نجاحها يظل مرهونًا بالاستقرار السياسي وقدرة الدولة على تنفيذ هذه السياسات في بيئة ما تزال تعاني من هشاشة أمنية واجتماعية.

خلاصة تحليلية

يمكن القول إن خطاب آبي أحمد لا يمثل تحولًا جذريًا في السياسات بقدر ما يعكس إعادة صياغة محسوبة للأولويات والسرديات. فهو يسعى إلى تبرئة الموقف الحكومي من كلفة الماضي، واحتواء التحديات الراهنة، وفتح أفق تفاوضي للمستقبل، دون حسم نهائي للملفات الشائكة. وبذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الخطاب يمهّد فعلًا لمرحلة استقرار مستدام، أم أنه يندرج ضمن إدارة أكثر تطورًا لأزمات لم تُحل بعد.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *