إثيوبيا تدخل مرحلة الصمت الانتخابي.. استعدادات مكثفة وتحديات أمنية تلاحق الاستحقاق
بقلم/ الأستاذ عمر أبو رهف
ويأتي الاستحقاق الانتخابي الحالي بوصفه اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة الإثيوبية على إدارة عملية سياسية واسعة في ظل بيئة داخلية معقدة، تتسم بتعدد بؤر التوتر الأمني، واستمرار الصراعات المسلحة في بعض المناطق، إلى جانب تصاعد التنافس بين حزب الازدهار الحاكم وقوى المعارضة التي تسعى إلى توسيع حضورها داخل المؤسسات التشريعية والإقليمية.
ودخلت إثيوبيا المرحلة الأخيرة من الانتخابات العامة السابعة مع بدء فترة “الصمت الانتخابي”، تمهيدًا للاقتراع المقرر يوم الإثنين الموافق الأول من يونيو 2026، في استحقاق يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر الانتخابات حساسية وتعقيدًا منذ وصول حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وذلك في ظل تداخل التحديات الأمنية مع رهانات إعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي.
ويأتي هذا الاستحقاق بينما تسعى الحكومة الفيدرالية إلى تقديم الانتخابات بوصفها محطة لترسيخ الاستقرار السياسي واستكمال مسار التحول المؤسسي، في وقت تواجه فيه البلاد اضطرابات أمنية ممتدة في عدد من الأقاليم، على رأسها أمهرة وأوروميا وبني شنقول-قمز، فضلًا عن استمرار الغموض السياسي في إقليم تيغراي.
التحضيرات النهائية واكتمال الجاهزية اللوجستية
والثلاثاء أعلن المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا اكتمال جميع الترتيبات الفنية واللوجستية المتعلقة بالعملية الانتخابية، مؤكدًا وصول بطاقات الاقتراع إلى البلاد وبدء توزيعها على مختلف المراكز الانتخابية المنتشرة في أنحاء الدولة.
وقالت رئيسة المجلس، مولاتورق هايلو، إن بطاقات الاقتراع دخلت بالفعل مرحلة التوزيع النهائي، باعتبارها أحد أهم المكونات الأساسية للعملية الانتخابية، مشيرة إلى أن المجلس اعتمد هذا العام نظامًا إلكترونيًا حديثًا لإدارة تسجيل المرشحين، في خطوة تستهدف تحديث الإدارة الانتخابية وتعزيز الشفافية والكفاءة الفنية.
ويُنظر إلى إدخال الأنظمة التقنية في العملية الانتخابية باعتباره محاولة من السلطات لمعالجة الانتقادات التي واجهت الانتخابات السابقة، لا سيما ما يتعلق بالإجراءات التنظيمية والرقابة على تسجيل المرشحين وإدارة البيانات الانتخابية.
وفي إطار تعزيز المشاركة السياسية، أوضحت رئيسة المجلس أن الهيئة الانتخابية نظمت 19 منتدى سياسيًا أتاحت للأحزاب عرض برامجها الانتخابية أمام الجمهور، بما يمنح الناخبين فرصة للاطلاع على رؤى القوى السياسية المتنافسة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
كما كشف المجلس عن اعتماد أكثر من 220 ألف وكيل حزبي يمثلون مختلف القوى السياسية، إلى جانب تسجيل 1814 صحفيًا محليًا ودوليًا لتغطية الانتخابات، فضلًا عن اعتماد أمناء مظالم مستقلين في مراكز الاقتراع بهدف مراقبة الإجراءات وتعزيز النزاهة الانتخابية.
وفي سياق توسيع الرقابة المدنية، قدم المجلس دعمًا ماليًا لـ114 منظمة مجتمع مدني لتنفيذ برامج التوعية الانتخابية، كما اعتمد 55 منظمة للمشاركة في مراقبة الانتخابات، في محاولة لإضفاء قدر أكبر من المصداقية على العملية الانتخابية داخليًا وخارجيًا.
وتجاوز عدد الناخبين المسجلين 50 مليون ناخب، سيتوجهون إلى 52,029 مركز اقتراع في مختلف أنحاء البلاد، فيما خُصصت مراكز خاصة للنازحين داخليًا وأفراد القوات المسلحة والطلاب، لضمان توسيع نطاق المشاركة الانتخابية.
وفي خطوة تعكس سعي السلطات إلى رفع نسبة الإقبال، أعلنت الحكومة إغلاق الأنشطة التجارية يوم الاقتراع باستثناء المؤسسات الخدمية والأساسية.
حملات انتخابية واسعة وهيمنة واضحة لحزب الازدهار
بالتزامن مع انتهاء الحملات الانتخابية، شهدت العاصمة أديس أبابا وعدد من المدن الإثيوبية تجمعات سياسية ومسيرات جماهيرية للأحزاب المتنافسة، غير أن الحضور الأبرز كان لحزب الازدهار الحاكم، الذي نظم فعاليات واسعة في عدة أقاليم وسط مشاركة جماهيرية لافتة.
وتشير بيانات المجلس الوطني للانتخابات إلى اتساع الفجوة التنظيمية بين حزب الازدهار وبقية القوى السياسية، سواء من حيث عدد المرشحين أو الانتشار الجغرافي.
ويشارك في الانتخابات 42 حزبًا سياسيًا بعد انسحاب ستة أحزاب، معظمها من إقليم تيغراي، في ظل استمرار استبعاد الإقليم من العملية الانتخابية نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المعقدة هناك.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إجمالي المرشحين للبرلمان والمجالس الإقليمية 10,432 مرشحًا، تصدرهم حزب الازدهار بـ3041 مرشحًا، أي ما يقارب 29% من إجمالي المرشحين، يليه حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية “إيزيما” بـ1248 مرشحًا، ثم تحالف التعاون من أجل وحدة إثيوبيا بـ1053 مرشحًا، أما على مستوى البرلمان الفيدرالي، فقد دفع حزب الازدهار بـ461 مرشحًا من أصل 547 مقعدًا، بما يمثل نحو 84% من المقاعد، مقابل 293 مرشحًا لحزب “إيزيما”.
وتعكس هذه الأرقام التفوق التنظيمي والإداري لحزب الازدهار مقارنة بأحزاب المعارضة، التي لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتمويل والانتشار الجغرافي والقدرة على العمل السياسي في بعض المناطق المضطربة، كما يرى مراقبون أن الانتخابات الحالية تأتي في ظل بيئة سياسية مختلفة عن انتخابات 2021، خاصة بعد اتساع دائرة الصراعات الداخلية وتراجع مستويات التوافق السياسي بين الحكومة وبعض القوى الإثنية والمسلحة.
التحديات الأمنية.. العامل الأكثر تأثيرًا في الانتخابات
ورغم اكتمال الاستعدادات الرسمية، لا تزال الأوضاع الأمنية تمثل أبرز التحديات التي تهدد سير العملية الانتخابية، خصوصًا في إقليم أمهرة، الذي يشهد منذ أشهر مواجهات متصاعدة بين القوات الحكومية ومليشيات “فانو”.
وأمس الاربعاء، أعلنت قوات فانو ما وصفته بـ”بيان أمني” يقضي بإغلاق الطرق في مختلف أنحاء إقليم أمهرة اعتبارًا من الجمعة السابقة للاقتراع، مع استثناء سيارات الإسعاف وخدمات الطوارئ، ودعت الحركة السكان إلى تقليص تحركاتهم وأنشطتهم اليومية، مؤكدة أن قرار الإغلاق جاء عقب عمليات عسكرية واسعة نفذتها قوات الدفاع الإثيوبية في الإقليم.
وتتهم فانو الحكومة بمحاولة فرض انتخابات في ظل ظروف غير ملائمة أمنيًا وسياسيًا، معتبرة أن العملية الانتخابية تُجرى بهدف “إظهار صورة مستقرة أمام المجتمع الدولي”، بحسب تعبيرها.
ويأتي التصعيد بعد أيام من إعلان فانو تنفيذ عملية استهدفت جنرالًا عسكريًا في منطقة وولغا بإقليم أوروميا، في حين لم تصدر الحكومة تعليقًا رسميًا بشأن الحادثة.
وفي ضوء التطورات الأمنية، أعلن المجلس الوطني للانتخابات عدم إجراء الانتخابات في ثماني دوائر انتخابية داخل إقليم أمهرة، بسبب الأوضاع الميدانية.
ولا تزال قوات فانو تؤكد سيطرتها على مناطق واسعة من الإقليم، ما يمنحها القدرة على تعطيل الأنشطة الانتخابية أو الحد من حركة الناخبين والموظفين الانتخابيين.
كما تواجه مناطق في أوروميا وبني شنقول-قمز تحديات أمنية متواصلة مرتبطة بنشاط جماعات مسلحة وصراعات محلية، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن حجم المشاركة الشعبية ومدى قدرة السلطات على تأمين العملية الانتخابية بصورة كاملة.
وفي المقابل، تبدو الأوضاع أكثر استقرارًا نسبيًا في العاصمة أديس أبابا ومدينة دير داوا وهرر، إضافة إلى أجزاء واسعة من أقاليم الجنوب، ما يجعلها الأكثر استعدادًا لإجراء انتخابات طبيعية مقارنة ببقية المناطق المضطربة.
تيغراي خارج المشهد الانتخابي
يظل إقليم تيغراي أحد أبرز الملفات المعقدة المرتبطة بالانتخابات الحالية، بعد استمرار استبعاده من العملية الانتخابية في ظل الأزمة السياسية المتفاقمة هناك.
وشهد الإقليم خلال الأشهر الماضية تطورات متسارعة تمثلت في سيطرة جبهة تحرير شعب تيغراي على المؤسسات الإدارية في ميكيلي وإعادة تشكيل المجلس الإقليمي وتعيين دبريصيون جبرمكائيل رئيسًا للإقليم، ما عمّق حالة الانقسام السياسي وأعاد التوتر إلى واجهة المشهد بعد اتفاق بريتوريا.
ويرى مراقبون أن غياب تيغراي عن الانتخابات يطرح تساؤلات حول شمولية العملية السياسية ومستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والإقليم، خاصة أن تيغراي كان لعقود أحد المراكز الرئيسية في معادلة الحكم الإثيوبي.
سيناريوهات ما بعد الاقتراع
تعكس الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا حجم التعقيدات التي تحيط بالمشهد السياسي والأمني في البلاد، حيث تتداخل اعتبارات الشرعية السياسية مع رهانات الاستقرار الداخلي والتوازنات الإثنية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو عدة سيناريوهات مطروحة بشأن المرحلة المقبلة؛ أولها نجاح الحكومة في تمرير العملية الانتخابية مع تسجيل مشاركة واسعة نسبيًا في المناطق المستقرة، بما يمنح حزب الازدهار تفويضًا سياسيًا جديدًا يعزز هيمنته على السلطة المركزية والمؤسسات الإقليمية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصاعد التوترات الأمنية خلال أو بعد الاقتراع، خاصة في أمهرة وأوروميا، بما قد يؤدي إلى التشكيك في شمولية النتائج ويمنح الجماعات المسلحة والمعارضة فرصة لتوسيع خطابها الرافض للعملية السياسية.
في حين يرتبط السيناريو الثالث بمرحلة ما بعد الانتخابات، إذ ستواجه الحكومة تحديًا أكبر يتعلق بكيفية إدارة التوازنات الداخلية واحتواء الأزمات الإثنية والأمنية، خصوصًا إذا لم تُفضِ الانتخابات إلى خلق توافق سياسي أوسع أو فتح مسارات حوار مع القوى المعارضة والمسلحة.
وفي جميع الأحوال، تمثل انتخابات يونيو 2026 اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة الإثيوبية على الموازنة بين متطلبات الاستقرار الأمني وإدارة التعددية السياسية، وسط مراقبة إقليمية ودولية حثيثة لمآلات المشهد في واحدة من أكثر دول القرن الإفريقي تأثيرًا وحساسية.
وتقف إثيوبيا اليوم، أمام استحقاق سياسي بالغ الحساسية، تحاول من خلاله الموازنة بين إظهار قدرتها على إدارة عملية ديمقراطية واسعة، وبين احتواء التحديات الأمنية والانقسامات الداخلية التي لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام مستقبل الاستقرار السياسي في إثيوبيا .


لا تعليق