الانتخابات الإثيوبية يونيو 2026.. توقيت حاسم في ظل تحديات أمنية وتعقيدات سياسية
بقلم / عمر ابو رهف
أيام تفصل الإثيوبيين، من استحقاق انتخابي يعد هو السابع من نوعه، في ظل مشهد سياسي وأمني معقد، تشهد مناطق واسعة من البلاد، ما يجعل هذا الاستحقاق من أكثر الانتخابات حساسية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وتأتي العملية في سياق انتقال من مرحلة سياسية مختلفة إلى أخرى جديدة تحمل متغيرات عديدة، فهي انتخابات لا تبدو مجرد محطة دستورية دورية، بقدر ما تمثل اختبارًا مباشرًا لمستقبل مشروع الدولة الذي يقوده حزب الازدهار الحاكم، وسط تصاعد التحديات الأمنية، واستمرار الانقسامات الإثنية، وضعف التوافق الوطني بشأن طبيعة النظام السياسي وشكل العلاقة بين المركز والأقاليم.
وتعقد الانتخابات في توقيت حاسم في ظل تحديات أمنية وتعقيدات سياسية، حيث يسعى حزب الازدهار الحاكم بقيادة آبي أحمد، إلى تقديم الانتخابات باعتبارها خطوة لتجديد الشرعية السياسية وتعزيز الاستقرار، فيما ترى قطاعات واسعة من المعارضة أن البيئة الحالية لا تسمح بإجراء اقتراع تنافسي عادل، في ظل استمرار النزاعات المسلحة والتفاوت الكبير في موازين القوة السياسية والتنظيمية، وتحديات أخرى من قبيل قدرة مجلس الانتخابات المناط به العملية الانتخابية وسط اتهامات تلاحقه هنا وهناك من النزاهة وتأثير الحكومة عليه.
استعدادات المجلس الانتخابي
مع اقتراب موعد الانتخابات المزمع عقدها الأول من يونيو المقبل، يقع على عاتق المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبي، الكثير من المسؤوليات، خاصة وأنه يواجه هو الآخر تحديات وانتقادات كما هو حال الحكومة والحزب الحاكم، لكن على المستوى الإجرائي، أعلن المجلس أواخر إبريل الماضي، عن اكتمال تسجيل أكثر من 50.5 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات العامة المقبلة، بعد تمديد فترة التسجيل التي بدأت في مارس الماضي، لافتاً إلى أن المؤسسات النظامية كالشرطة والجيش لم يشملهما هذا العدد، دون أن يحدد تعداد هذه المؤسسات التي يحق لها المشاركة .
وفي بيان رسمي قبل إسبوعين، أكدت رئيسة المجلس ميلاتورك هايلو، أن العملية شهدت توسعًا في استخدام الوسائل الرقمية، عبر منصة “ميرتشاي”، إلى جانب التسجيل التقليدي في المراكز الانتخابية، وقالت إن إدارتها منحت تراخيص لعشرات المنظمات المدنية المحلية لمراقبة الانتخابات، واعتماد أكثر من ألف صحفي لتغطية العملية، إلى جانب استمرار النقاشات المتعلقة بمدونات السلوك والمناظرات الحزبية وتوزيع أوقات البث الإعلامي.
ورغم هذه الترتيبات التنظيمية، لا تزال المعارضة تشكك في قدرة المؤسسات الانتخابية على ضمان بيئة تنافسية متكافئة، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية في عدد من الأقاليم المصنفة عالية الخطورة.
انتخابات بعد دستوري وتشكل جديدة للدولة :
تأتي انتخابات يونيو 2026 في سياق سياسي مختلف عن انتخابات 2021 التي عززت هيمنة حزب الازدهار على مؤسسات الدولة، منذ تأسيسه عام 2019 كبديل للائتلاف الحاكم السابق ( 1991- 2018)، حيث دخلت إثيوبيا مرحلة إعادة تشكيل سياسي وإداري واسعة، ارتكزت على مشروع “مديمر” أو “التآزر” الذي طرحه رئيس الحزب آبي أحمد، كرؤية لبناء دولة تتجاوز الانقسامات الإثنية التقليدية الى مستوى قومي حامع ومشترك .
لكن هذا التحول فتح الباب أمام خلافات حادة مع قوى سياسية وإثنية عديدة، خاصة داخل أقاليم تيغراي وأوروميا وأمهرا، كما تنظر أطراف واسعة إلى المشروع الجديد باعتباره محاولة لإعادة إنتاج المركزية السياسية على حساب النظام الفيدرالي الإثني الذي تأسست عليه الدولة الحديثة منذ تسعينيات القرن الماضي، الامر الذي يجعل من الانتخابات الحالية شكل من مستويات الاستفتاءال سياسي على مستقبل الدولة الإثيوبية، أكثر من كونها منافسة حزبية تقليدية، خصوصًا مع استمرار التوترات الأمنية وتراجع الثقة بين السلطة والمعارضة.
حزب الازدهار.. هيمنة تنظيمية وسط تحديات عديدة :
حزب الازدهار الحاكم بقيادة آبي أحمد، الذي وصول إلى السلطة عبر تغييرات ثورية شعبية ، نجح حزب الازدهار في بناء شبكة تنظيمية واسعة مكنته من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة والأقاليم المختلفة، مستفيدًا من تفكك المعارضة وضعف قدرتها على تشكيل جبهة موحدة، حيث عزز الحزب حضوره بعد فوزه الكاسح في انتخابات 2021، وأصبح القوة السياسية الأكثر تأثيرًا وانتشارًا في البلاد، أمام أحزاب منافسة تواجه أزمات تنظيكية وتمويلية.
وإن كانت هذه الهيمنة لا تعني غياب التحديات أمام الحزب الحاكم، إذ تواجه الحكومة الفيدرالية التي يقودها الحزب الحاكم أزمات مركبة تشمل، استمرار النزاعات المسلحة في أقاليم رئيسية، خاصة أمهرا وأوروميا، وتعثر تنفيذ بعض بنود اتفاق السلام في تيغراي، فضلا عن تصاعد الانتقادات المتعلقة بالحريات السياسية والإعلامية، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول الإصلاح والاستقرار، والواقع الأمني على الأرض.
وهي تحديات تضع الحكومة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تنظيم انتخابات تحظى بحد أدنى من القبول الداخلي والدولي، في ظل اتهامات المعارضة بسيطرة الحزب الحاكم على مفاصل العملية الانتخابية والإدارية.
مواقف متباينة للمعارضة :
يبدو حال المعارضة هو الآخر ليس بأفضل من الحزب الحاكم، فهي الآخرى تعيش حالة من التباين في مواقفها، من خلال النظر إلى خارطتها السياسية،والتي اتسمت بحالة انقسام حاد، تعكس أزمة بنيوية داخل أنظمة الاحزاب السياسية في إثيوبياد، حيث تتوزع المواقف بين المشاركة والمقاطعة ورفض إجراء الانتخابات من الأساس، لأملم حزب حاكم مهيمن بقوة ويحاول أن يقفذ على تحديات البلاد الأمنية وتعقيداتها السياسية.
فهناك أحزاب معارضة سياسية اختارت المشاركة في الاستحقاق الإنتخابي رغم إدراكها محدودية فرص المنافسة أمام الحزب الحاكم، وتؤمن بأن الانخراط في العملية السياسية يظل أفضل من المقاطعة الكاملة، حيث يتصدر هذه المجموعة والتي بلغت 46 حزباً سياسياً وفق المجلس الانتخابي، حزب المواطنين الإثيوبيين للعدالة الاجتماعية بقيادة برهانو نغا، الحركة الوطنية للأمهرا، بجانب حزبي إينات والحرية والمساواة، فضلا عن أحزاب ذات امتدادات قومية وإقليمية، بينها قوى مرتبطة بأوروميا والصومال الإثيوبي وتيغراي، وإن كان تأثيرها الفعلي متفاوتًا.
في الجانب الآخر هناك قوى حزبي قاطعت الانتخابات، معربة عن رفضها المشاركة في الانتخابات، بحجة أن الظروف الحالية لا تسمح بعملية نزيهة ومستقلة، وعلى رأس هذه الأحزاب والتكتلات جبهة تحرير شعب تيغراي، التي فقدت وضعها القانوني لكنها لا تزال تملك نفوذًا واسعًا داخل الإقليم، وأعلنت سيطرتها السياسية والتنفيذية مؤخرا على مقاليد السلطة في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، وتلك معضلة أخرى مستمرة منذ أكثر من 5 سنوات .
كما يوجد بهذه الكتل الرافضة للمشاركة، فصائل من جبهة تحرير أورومو، تحالفات وأحزاب معارضة أعلنت انسحابها بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية، وهي قوى واسعة تتهم السلطات الانتخابية بالعمل تحت نفوذ الحزب الحاكم، مع غياب الضمانات الكافية لاستقلالية العملية الانتخابية.
الى جانب ذلك قوى في منطقة وسطى بين الرفض القاطع والمشاركة المشروطة، فهي قوى ترفض توقيت الانتخابات، وترى أن البلاد غير مهيأة لإجراء انتخابات شاملة في ظل استمرار الصراعات المسلحة في أوروميا وأمهرا وتيغراي، تضاف إليها قوى بخطاب سياسي يدعو إلى إعادة النظر في النظام الفيدرالي الإثني، واستبداله بصيغة تقوم على أسس جغرافية وإدارية بدل الانتماء القومي.
وفي هذا السياق، دعا الحزب الشعبي الثوري الإثيوبي إلى احتجاجات وطنية اعتراضًا على ما وصفه بغياب البيئة السياسية الملائمة للانتخابات، محذرًا من أن استمرار النزاعات المسلحة يقوض مصداقية العملية الانتخابية.
تعكس الانتخابات الإثيوبية الطبيعة المعقدة للنظام الفيدرالي القائم على القوميات، حيث ترتبط معظم الأحزاب بامتدادات إثنية وجغرافية واضحة، ما يجعل التنافس السياسي مرتبطًا بالنفوذ الإقليمي أكثر من البرامج الوطنية الجامعة، وعلى رأس هذه التحديات الخلافات والتقاطعات المتصاعدة في إقليم تيغراي، في صراع مركب بين الجبهة والحكومة الفيدرالية، وتوجه تيغراي للحكومة انتقادات تتعلق بعدم استكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين، فضلًا عن استمرار الانقسامات داخل النخب السياسية المحلية، وصراع أخر بين التيغراي والأمهرا بشأن المناطق المتنازع عليها “ولقايت” و”رايا” و”الحمرة”، وهي ملفات ذات أبعاد سياسية وأمنية وتاريخية حساسة.
وكذا الحال في إقليم أمهرا، الذي تواصل فيه ميليشيات “فانو” نشاطها المسلح، منذ أكثر من 3 سنواتمع تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية والقوى المحلية، فيما تظل الأوضاع في تيغراي هشة رغم اتفاق السلام الموقع بعد الحرب التي انتهت رسميًا عام 2022.
وهناك إقليم أوروميا أكبر وأكثر أقاليم البلاد سكاناً ومساحة،فهو الآخر ظل يشهد انقسامات سياسية ونشاط جماعات مسلحة ترفض العملية السياسية، فيما تشهد أقاليم أخرى مثل الصومال الإثيوبي وعفار والجنوب أنماطًا مشابهة من التنافس القومي والإقليمي، وهو ما يجعل العملية الأنتخابية المنتظرة في إثيوبيا، تجري تحت ضغط تحديات أمنية واسعة، وتعقيدات سياسية عميقة.
هذه المعطيات تجعل مسألة الشرعية السياسية واحدة من أبرز التحديات المرتبطة بالانتخابات، إذ إن نجاح الاقتراع إجرائيًا لا يعني بالضرورة إنتاج توافق سياسي مستقر، كما أن الانتخابات الإثيوبية لا تفصل عن البيئة الإقليمية المحيطة، خاصة في ظل ارتباط سياسات أديس أبابا بعدد من الملفات الحساسة، مثل، ملف سد النهضة الإثيوبي، والعلاقة مع مصر والسودان، فضلا عن التنافس الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويتوقع مراقبون أن نتائج الانتخابات المقبلة ستؤثر بصورة مباشرة على توجهات السياسة الخارجية الإثيوبية خلال المرحلة القادمة، خاصة إذا استمرت هيمنة حزب الازدهار على السلطة دون تغيير جوهري في موازين القوى الداخلية، خاصة أن المؤشرات الحالية تشير إلى أن انتخابات يونيو 2026 ستُجرى في ظل اختلال واضح في موازين القوة السياسية، مع تفوق تنظيمي ومؤسسي لحزب الازدهار مقابل معارضة تعاني الانقسام وضعف القدرة على التأثير.
لكن التحدي الأهم لا يرتبط فقط بنتائج الاقتراع، بل بقدرة العملية الانتخابية على إنتاج شرعية سياسية مستقرة في دولة لا تزال تعاني أزمات إثنية وأمنية عميقة، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الفيدرالية الإثنية، وطبيعة الدولة، وإمكانية بناء توافق وطني مستدام،
وفي المحصلة، تبدو إثيوبيا أمام انتخابات مفصلية قد تحدد ليس فقط شكل السلطة في السنوات المقبلة، بل أيضًا مستقبل التوازنات السياسية والجغرافية في القرن الإفريقي بأسره.


لا تعليق