Web 1

مخرجات تعيد رسم الدولة واختبار حقيقي لقدرة أديس أبابا على بناء توافق جديد

                                                                       باسم الأستاذ / عمر أبو رهف

اختتمت إثيوبيا في 22 أغسطس 2026 أعمال الحوار الوطني بعد نحو أربعين يوماً من المداولات، بمشاركة قرابة أربعة آلاف ممثل للقوميات والمجتمعات والأحزاب والقوى السياسية والدينية والمدنية والنساء والشباب والمزارعين والرعاة والأكاديميين والجاليات الإثيوبية في الخارج، قبل أن تتوصل هذه القوى المشاركة في الحوار إلى نحو 400 توصية تناولت قضايا سياسية ودستورية واقتصادية واجتماعية ودينية وتاريخية، إضافة إلى السلام وبناء مؤسسات الدولة كقضايا مهمة ظلت تؤرق البلاد وبموجبها أنطلق مشروع الحوار الوطني الإثيوبي قبل نحو 4 سنوات.

ويمثل اختتام مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، محطة سياسية مهمة للحكومة الإثيوبية، التي طرحت المشروع منذ أواخر 2021 باعتباره مساراً لمعالجة الأزمات البنيوية المتراكمة، ولا سيما الخلافات حول الفيدرالية والهوية وتقاسم السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم، عبر مفوضية الحوار الوطني التي أنشأت بموجب قرار برلماني بعد تكوينها من 11 عضو مفوض لإدارتها، بدأت بتنظيم مشاورات واسعة قبل الوصول إلى مرحلة المؤتمر حيث غطت نحو 93% من الدوائر الإدارية، وجمعت أجندات من أكثر من 1200 دائرة في 12 إقليماً ومدينتين، إلى جانب مشاركة ممثلين عن الجاليات ومجتمع تيغراي الذي جاء بديلاً لإدارة الإقليم الذي تسيطر عليه جبهة تيغراي دون موافقة الحكومة الفيدرالية وتلك معضلة أخرى ضمن التحديات التي سناتي إلى ذكرها. 

مخرجات الحوار وأبرز ما جاء فيها

لعل الحوار الوطني الإثيوبي، والذي استغرقت رحلته الفنية واللوجستية وحتى مراحل تنفيذه في مؤتمر نحو أربعة سنوات منذ انطلاقته كمشروع، حتى حطت رحاله في مؤتمر شارك فيه نحو 4 آلاف ممثل إثيوبي، عكفوا على المناقشات والمداولات لأكثر من 64 يومياً قبل أن تصدر مفوضية الحوار الوطني المناط بها الأشراف والترتيب على مجريات المؤتمر، توصياتها ومقرراتها، الأمر الذي يدفعنا إلى الوقوف في أهمية المخرجات كونها لا تقتصر على معالجة خلافات سياسية آنية، وإنما تطرح إعادة تعريف للعقد السياسي والدستوري الإثيوبي، والتي يمكن أن نستعرضها في ستة محاور رئيسية تجمل أهم ما جاء فيها على النحو التالي:

أولاً: إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم.

شكلت القضايا التي ظلت تؤرق الحكومات المتعاقبة في إثيوبيا أحدى أهم مخرجات مؤتمر الحوار، حيث تتجه المخرجات إلى واحدة من أهم الملفات وهي تحديد أوضح للاختصاصات خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المركز والأقاليم بحيث تحتفظ الحكومة الاتحادية بالملفات السيادية، فيما تدير الأقاليم شؤونها الداخلية، مع إعادة النظر في ترتيبات تقاسم السلطة والثروة والموارد الطبيعية، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن جزءاً كبيراً من الصراع الإثيوبي ارتبط بالأرض والموارد والحدود والهوية والتمثيل، وليس بالسلطة السياسية وحدها.

ثانياً: ملف الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

وكذا الحال أن من أبرز التوصيات التي حملتها مخرجات المؤتمر، اعتماد نظام رئاسي ينتخب فيه الرئيس مباشرة لمدة ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وهي خطوة تعني إعادة توزيع جوهرية للسلطة التنفيذية وتعزيز الوزن السياسي للرئاسة، لكنه في الوقت ذاته يفرض الحاجة إلى ضمانات قوية لاستقلال القضاء والبرلمان والإعلام والمؤسسات الرقابية، حتى لا يتحول تعزيز السلطة التنفيذية إلى تركيز مفرط للقرار السياسي.

وتكتسب هذه التوصية حساسية سياسية إضافية، إذ ترى بعض القوى السياسية والعسكرية المقاطعة للحوار أنها قد تفتح المجال أمام رئيس الوزراء آبي أحمد للاستمرار في السلطة عبر الانتقال إلى النظام الرئاسي، وهو ما يجعل التعديل المقترح أحد أكثر الملفات قابلية لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي.

ثالثاً: إعادة تعريف الفيدرالية وحق الانفصال.

وأن ما أوصى به الحوار أيضاً، الإبقاء على النظام الفيدرالي مع إعادة صياغته باتجاه فيدرالية متعددة القوميات بدلاً عن الفيدرالية الاثنية إلى جانب إعادة النظر في الحق الدستوري للقوميات في تقرير المصير وصولاً إلى الانفصال، المنصوص عليه في المادة 39 من دستور 1995. وفي حال تحول هذه التوصية إلى تعديل دستوري نافذ، فإنها ستكون من أعمق التحولات في فلسفة الدولة الإثيوبية، إذ تنقل العلاقة بين القومية والدولة من مفهوم حق الانفصال إلى المشاركة في دولة اتحادية موحدة مع الحفاظ على الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للأقاليم.

وهذا التوجه يعكس، في جوهره، محاولة للانتقال من الفيدرالية الإثنية إلى فيدرالية وطنية متعددة القوميات، مع الإبقاء على الحكم الذاتي للأقاليم وإعادة تنظيم توزيع الصلاحيات والموارد بين المركز والأقاليم، لكنه فتح أيضا باب اعتراضات جديدة من قبل القوميات الكبرى التي فقدت قوتها في مزايا الأكثرية وعلى رأسها قومية أورمو التي ينحدر منها آبي أحمد، وقومية أمهرا شريكة الأورومو في التغير وثاني أكبر القوميات بعد الأورومو .

رابعاً: الأرض والملكية.

ناقش مؤتمر الحوار ضمن الملفات الرئيسية، نماذج مختلفة لملكية الأرض، بما فيها الملكية العامة والخاصة والمختلطة حيث يشكل الاتجاه نحو تمكين الأفراد من امتلاك الأرض تحولاً محتملاً في النموذج القائم، لكنه يحمل في المقابل مخاطر تتعلق بالاستحواذ على الأراضي وإقصاء صغار المزارعين والرعاة، ما يجعل الضمانات القانونية وآليات التنفيذ عاملاً حاسماً.

خامساً: أديس أبابا والتنوع اللغوي والديني.

وفي ذات سياق أهم وأكبر مخرجات مؤتمر الحوار أن أبقى الحوار على وضع أديس أبابا كمدينة فدرالية وعاصمة للدولة، مع استمرار ارتباطها الجغرافي بإقليم أوروميا، فيما ظلت العلاقة بين المدينة والإقليم من الملفات الحساسة التي لم تحسم جميع جوانبها.

سادساً: التاريخ والمصالحة وبناء الدولة.

تعاملت مخرجات مؤتمر الحوار مع الروايات التاريخية المتنافسة باعتبارها أحد جذور الصراع السياسي والاجتماعي، مع طرح آلية وطنية لإعادة دراسة التاريخ بصورة أكثر توازناً، وفي هذا المسار شددت المخرجات على استقلال القضاء، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، واستقلال المؤسسات الديمقراطية والإعلام والمجتمع المدني، ومكافحة الفساد والحكم الرشيد.

سابعاً: الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي

تضمنت المخرجات ضمن أهم قراراتها وتوصياتها المستحدثة، توسيع الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، وتعزيز الحقوق الدينية، بما في ذلك حرية الممارسة الدينية وإنشاء المؤسسات التعليمية الإسلامية، وهنا برزت أهم قوميتين وهما الصوالية والعفرية فضلاً عن المساحات التي وجدها المسلمين واللغة العربية .

وخلاصة الأمر حول مجمل التوصيات والمخرجات، أن الرسالة الأبرز التي أرادت الحكومة الإثيوبية إبرازها تتمثل في الانتقال من إدارة الخلافات بالقوة إلى المؤسسات والانتخابات والحوار، حيث ركزت مخرجات العملية الحوارية اعتماد الانتخابات وسيلة أساسية لتداول السلطة، ورفض العودة إلى ما وصفته بثقافة حوار البندقية.

ومن هذه الزاوية، فإن القيمة السياسية للحوار لا تكمن فقط في التوصيات التي انتهى إليها، وإنما في محاولة تأسيس ثقافة سياسية جديدة تجعل الحوار والتنافس الانتخابي وسيادة القانون أدوات رئيسية لإدارة الاختلاف.

التحديات والعقبات

بذات القدر الذي أتسمت به مخرجات الحوار بنجاحات وتحولات، في المقابل واجهت عملية الحوار الإثيوبي تحديات، كما يتوقع أن تواجه الكثير من العقبات نظراً لطبيعتها وأرتباطها بمراحل لاحقة، وبلا شك سيكون التحدي الأكبر حول التحول من المخرجات إلى التنفيذ، فالرغم من اتساع المشاركة وحجم التوصيات، فإن الحوار لم ينجح في تحقيق توافق شامل بغياب  قوى سياسية وفاعلون رئيسيون، وفي مقدمتهم جبهة تحرير تيغراي، بينما لا تزال التوترات والنزاعات المسلحة قائمة في تيغراي وأمهرا وأوروميا. وبالتالي، فإن جزءاً مهماً من القوى المؤثرة في المشهد الإثيوبي قد لا يعتبر نفسه ملزماً تلقائياً بمخرجات المؤتمر.

كما أن المخرجات ليست نافذة بمجرد إقرارها داخل المؤتمر؛ فالتعديلات الدستورية والقانونية تحتاج إلى المرور عبر المؤسسات المختصة، وهنا ينتقل الحوار من مرحلة سياسية إلى اختبار دستوري وتشريعي أكثر تعقيداً.

ويبرز التحدي في كيفية تحقيق التوازن بين تعزيز الدولة المركزية والحفاظ على حقوق الأقاليم والقوميات. فإلغاء حق الانفصال قد يعزز وحدة الدولة من منظور الحكومة، لكنه قد يثير مخاوف لدى قوى ترى في المادة 39 ضمانة أساسية لحقوقها. وكذلك فإن الانتقال إلى النظام الرئاسي قد يعزز الشرعية الشعبية، لكنه يتطلب مؤسسات قوية تمنع احتكار السلطة.

تحليل مضمون العملية الحوارية

بالنظر إلى مخرجات الحوار، تبدو عملية الحوار الإثيوبي في مضمونها أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة الدولة الإثيوبية منها إلى تسوية سياسية محدودة؛ فهي تمس طبيعة الفيدرالية، وحق تقرير المصير، ونظام الحكم، وتوزيع السلطة والثروة، وملكية الأرض، والهوية الوطنية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وهي قضايا وملفات أصبحت متجذرة في صميم المجتمع الإثيوبي وثقافته لا سيما عند القوميات الكبرى عبر الأجيال  بالانفكاك من مثل هكذا جذور وثقافات سيكون أمراً صعباً في تحولات الدولة التي يتحكم عليها حزب وليد بقياس السنوات والأجيال حيث نشأ في أواخر العام 2019 على انقاض الإئتلاف السابق وعرابته جبهة تيغراي .

ومن منظور الحكومة، يمثل ذلك انتقالاً من نموذج الدولة الذي ارتبط بدرجة كبيرة بالهويات الإثنية إلى دولة اتحادية متعددة القوميات، يكون فيها الانتماء الوطني إطاراً جامعاً مع استمرار الاعتراف بالتنوع. غير أن نجاح هذا المشروع لن يتوقف على صياغة النصوص، بل على مدى قبول الأقاليم والقوى السياسية والمجتمعية بها.

ويظل غياب بعض القوى الرئيسية، واستمرار النزاعات المسلحة، أكبر فجوة بين التوافق داخل قاعات الحوار والواقع السياسي والأمني خارجها. لذلك فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر: هل تستطيع الحكومة تحويل التوصيات إلى إصلاحات دستورية وقانونية تحظى بقبول واسع، وإقناع الأطراف المقاطعة بالانضمام إلى المسار السياسي؟

وفي المحصلة، يمكن اعتبار حوار 2026 محطة مهمة في محاولة إثيوبيا الانتقال من دولة تُدار خلافاتها في كثير من الأحيان بالقوة إلى دولة تصبح فيها الانتخابات والحوار والمؤسسات وسيادة القانون أدوات أساسية لإدارة التنافس. لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بثلاثة اختبارات رئيسية: شمول التوافق السياسي، واستقلال المؤسسات، والعدالة في توزيع السلطة والثروة والموارد.

وبذلك، لا يمثل اختتام الحوار نهاية الأزمة الإثيوبية، بل بداية مرحلة أكثر حساسية؛ فإما أن تتحول مخرجاته إلى أساس لعقد سياسي جديد، أو أن يؤدي تنفيذها بصورة انتقائية ومن دون توافق واسع إلى إنتاج خلافات جديدة تعيد البلاد إلى دوامة الاستقطاب والصراع.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *