الوحدة التي لا تُبنى على العدل لا تدوم … سؤال يتجدد في منطقتنا
الكاتب/ عبدالرحمن حسن
عندما تتعرض دولة للتهديد بالانحلال وتتعالى فيها أصوات الانفصال، يتبادر إلى الأذهان سؤال قديم جدًا يشغب على المشهد السياسي: هل يجب أن نسعى للوحدة أولاً ثم نطالب بالعدل؟ أم أن العدل ضروري لبقاء الوحدة؟ إنه سؤال أكثر إلحاحًا في منطقتنا حيث لدينا مركز يدعو للوحدة ونداءات هامشية للمظالم. يجعل الخطاب السياسي هذين المبدأين في حالة تضاد: أولئك الذين يريدون الوحدة يتهمون الطرف الآخر بالتعاون مع الدولة، بينما يتهم الطرف الذي يقدم العدالة على الوحدة الطرف الآخر بالطغيان. لكن الفلسفة السياسية – من أفلاطون إلى اليوم – لديها إجابة على هذا الانقسام أفضل من هذا التقسيم. معظم الارتباك ناتج عن دمج سؤالين مختلفين. الأول هو الأسبقية الوجودية: أيهما يأتي أولاً في الواقع؟ والإجابة لهذا السؤال يقودنا إلى الوحدة، وذلك من وجهة منظريها أنها سابقة للعدالة حيث أن الحقوق لا يمكن توزيعها وضمانها في مجموعة لم تتشكل بعد أم مجموعات مفككة. وأما السؤال الثاني فهو الأسبقية المعيارية: حيث يسأل منظروه أيهما أكثر قيمة العدالة أم الوحدة؟ والإجابة من وجهة نظرهم هي أن العدل يسبق لأنه لا توجد وحدة تستحق ولاء أعضائها والانطواء تحت رايتها إذا لم تكن عادلة. المدافع عن الوحدة يجيب على السؤال الأول والمدافع عن العدل يجيب على الثاني، كل منهما يعتقد أنه هزم الآخر.
من أثينا إلى القاهرة: العدل يخلق الوحدة
لم يرَ أفلاطون شيئًا أكثر شرًا للمدينة مما يمزقها ويجعلها متعددة بدلاً من أن تكون واحدة. وهو يرى أن العدالة أن يؤدي كل جزء وظيفته في نظام متناسق لعدل والوحدة هما وجهان لنفس الحقيقة. وقال تلميذه أرسطو أن الشيء الوحيد الذي يحافظ على تماسك المدن هو الصداقة المدنية التي تنشأ من العدل. في التراث الإسلامي، قارن الفارابي المدينة الفاضلة بالبدن الصحيح والذي تتعاون وتنسجم أعضاؤه، ولكنه في نفس الوقت حذر من أن مدن الهيمنة والكرامة متماسكة أيضًا لكنها ليست فاضلة. فالتماسك والوحدة وحدها ليس دليلًا على صلاح الدول والحضارات. ثم قدم ابن خلدون رؤية جديدة فبالنسبة له العصبية، أو الشعور الجماعي، هو أساس نشأة الدولة، والعدل يحميها أو أساس استمرارها، وعليه فالظلم هو البوابة إلى خراب الدول والحضارات.
منطق الدولة الحديثة: هوبز ولوك
آمن توماس هوبز كثيرا في أطروحاته بالوحدة، فبالنسبة له بدون سلطة واحدة وبدون سقف سياسي يظل الجميع، ستذهب المكونات المختلفة للدولة إلى الحرب مع نفسها (الكل ضد الكل)، ويرى أنه لا يوجد عدل على الإطلاق قبل أن تكون هناك سلطة لفرض العهود. لكن من جانب آخر هوبز نفسه اعترف بأن الطاعة تنتهي عندما يفشل الدولة في حماية الفرد. لذا يمكن القول إن الوحدة بالنسبة لهوبز يمكن تبريرها بوظيفتها ودورها، وليس بذاتها. أما جون لوك فقد أكد وأصر أن الحكومة موجودة لحماية الحياة والحرية والملكية، وإذا تم انتهاكها أو غابت العدالة فإن الدولة أو الحاضرة سيكون مصيرها التفكك والزوال. وعليه فإن الوحدة السياسية بالنسبة للوك هي عقد للعدل، وكسره يحرر الطرف المتضرر منه.
الفلسفة الحديثة: الاستقرار للأسباب الصحيحة
طرح جون رولز في كتابه “نظرية في العدالة” أن العدل هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية وأن المؤسسات غير العادلة يجب إصلاحها أو إلغاؤها، مهما كانت فعالة. ثم فرق بين الاستقرار القائم على توازن القوى أو بالتغلب لفترة قصيرة، والاستقرار القائم على الأسباب الصحيحة أو الموضوعية والمقبولة، فحالما يرى المواطنون المؤسسات تمارس العادلة فإنهم يقبلونها. وعلى النقيض من ذلك، جعل كارل شميت الوحدة السياسية قرارًا على أعلى مستوى في النظام السياسي وجعلها قرارا يعلو فوق كل معيار أخلاقي ويضع بقاء الدولة فوق جميع الحقوق مهما كان الواقع. في النهاية، طور ألين بوكانان ما يسمى بنظرية الحقوق العلاجية: فالوحدة هي الأصل بالنسبة له، ولا يجوز الخروج على الدولة بالنسبة له إلا في حالة الظلم الشديد والمستمر الذي تعذر إصلاحه من الداخل، وعليه فالانفصال بالنسبة له هو الاستثناء بينما الأصل هي الوحدة. وأكد تشارلز تايلور بأن إنكار هوية أحد مكونات المجتمع أو التنكر لذاكرة التي عاشتها هو ظلم في حد ذاته وهذا يقوض شرعية الوحدة السياسية للدولة.
ختام الرحلة الفلسفية .. الوحدة أم العدالة
نخلص في هذه الرحلة الفلسفية، أن السؤال الحقيقي ليس بالمفاضلة أو الخيار بين الوحدة والعدل، بل أي وحدة نريد؟ ويبدو أن الدرس السياسي لهذه المقاربة واضح حين نسقطها على منطقتنا وضاح، فالوحدة التي لا تقوم على العدل لا تدوم، والدولة التي تطلب الولاء ولا تقدم العدل لا تمنح استقرارا ولا تمنع انفجارها ولكن تؤجله.
حاولت العديد من الحكومات في منطقتنا فرض الوحدة بالقوة، وأجلت النظر في المظالم إلى أجل غير مسمى، وتم التعامل مع مطالب الانصاف بوصفها خطرا سياسيا وأمنيا، وهذا المسار السياسي غير الناضج لم يولد وحدة بل جعل التوترات تتراكم بشكل تصاعدي انتظارا للحظة التاريخية التي يضعف أو يهتز فيها المركز. وعليه فالاستقرار الظاهر للعيان ليس إلا هدنة مؤقتة تدوم ما دامت القوة الصلبة قائمة لدى المركز، وتنتهي بانتهائها أو ضعفها.
وإذا كان الخوف من دعاوى الانفصال مبررة خوفا من أن تؤدي إلى الفوضى السياسية، وربما نشوء مظالم جديدة، أو تزايد نفوذ الدول الإقليمية وصعود التنافس بين القوى الكبرى، فإن على المركز عبء غير اعتيادي في جعل البقاء ضمن منظومة الدولة خيارًا جذابًا ومقنعا، وليس قسريًا. لذا يمكننا اقتراح أربعة حلول لصانعي القرار في الدول التي لديها النزعات الانفصالية:
- الاعتراف قبل التفاوض: لا يمكن تحقيق المصالحة دون اعتراف رسمي بالمظالم التاريخية والاجتماعية وابداء الاستعداد لتصحيحها. إن إنكار الذاكرة الجماعية لمكون يجعل أي حوار معها مناورة، ولن تقود إلى حلول جذرية لأزمات الانفصال.
- الشراكة بدلاً من المركزية: إعادة النظر في صيغ سياسية تعاقدية أكثر فعالية لضمان استمرار بقاء المكونات في الدولة دون اللجوء إلى الانفصال، ولعل الصيغ الفيدرالية واللامركزية وسيلة لتحويل الشكوك حول الوحدة القصرية إلى الاختيار ومتنفس سياسي.
- إنكار الحل بالقوة: الوحدة لا تتحقق بالقوة؛ الحدود لا تُرسم بالقوة. كلاهما يكلف المدنيين، كما أن استقطاب مكونات بعينها أو اشغالها سياسيا وأمنيا ببعضها البعض لن يقود إلى حلول سياسية، بل سيكون المصير هو نشوء جولات معقدة من الصراع.
- المعالجة المبكرة قبل أن يتسع الخرق على الراقع: كلما طال أمد الصراع الداخلي، زادت فرص القوى الخارجية للتدخل والتأثير في المعادلات السياسية والأمنية للدولة، وقد تشهد الأزمة الداخلية أو حالة النفور من الوحدة السياسية تحولات يصعب احتواؤها، فيتشكل بسببها واقع جديد يزيد الأزمة تعقيدا. ولذا ينبغي لمؤسسات الدولة ورموزها إلى أن تبادر إلى حلول تجعل مواطنيها يؤثرون البقاء على الطلاق السياسي.


لا تعليق