ChatGPT Image Sep 25 2026 07 06 21 PM

تطورات إثيوبيا خلال الأسبوع: من تحالف عرقي مسلح إلى تصعيد عسكري ينذر بأزمة إقليمية

بقلم أ. عمر أبو رهف

توطئة

شهدت إثيوبيا خلال الأسبوع الجاري تحولاً لافتاً من مستوى التحالفات السياسية والعسكرية بين قوى اثنية ومسلحة متباعدة جغرافياً إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في شمال البلاد، في تطور يعيد ملف الحرب في إقليم تيغراي إلى واجهة المشهد الإثيوبي والإقليمي، ويضع اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر 2022 أمام أخطر اختبار منذ توقيعه، هذا إذ لم تكن التطورات الأخيرة رصاصة الرحمة التي ستحمل الاتفاق إلى مثواه الأخيرة .

والتحولات اللافتة التي شهدتها إثيوبيا خلال هذا الأسبوع ما بين 20 إلى 24 من سبتمبر الجاري، بدأ التصعيد فيها بإعلان سبع قوى مسلحة وسياسية ذات خلفيات عرقية متباينة، في 20 سبتمبر2026، حيث تشكيل «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، معلنة هدفها إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية.

ويضم التحالف الجديد الذي مثل شرارة التطورات الأخيرة في إثيوبيا، (جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الوطنية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب الجبهة الثورية للوحدة الوطنية العفرية بإقليم عفار شرقي إثيوبيا،  وحركتي تحرير شعوب بني شنقول  – شعوب غوموز الديمقراطية في إقليم بني شنقول-غمز غربي إثيوبيا، و الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين بإقليم الصومال الإثيوبي، وتُعد بعض هذه الجماعات قوىً وازنة ومؤثرة في مشهد المعارضة المسلحة داخل البلاد، بما يجعله تحالفاً مختلفاً عن التحالفات المسلحة السابقة من حيث اتساع رقعته الجغرافية وتعدد مكوناته الاثنية وتباين منطلقاته السياسية .

التحالف الجديد من الإعلان إلى المواجهة

في تطور دراماتيكي انتقل التحالف المعارض الجديد في إثيوبيا خلال أيام من الإعلان السياسي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، مع تصاعد القتال شمال البلاد. ففي 23 سبتمبر الجاري، سيطرت قوات تيغراي على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، ما عزز سيطرتها على المراكز الحيوية في الإقليم ودفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها إلى المدن الثلاث، بالتزامن مع احتجاز أفراد من القوات الفيدرالية، وفق ما أفادت به مصادر دولية وبيان للاتحاد الأفريقي. وبالتوازي، امتدت الاشتباكات إلى مناطق في عفار وأمهرا المجاورتين، بما في ذلك أبالا وإربتي ومناطق حدودية مع تيغراي، في مؤشر على بدء انتقال التحالف من التنسيق السياسي إلى تنسيق عسكري متعدد المحاور، وإن ظل محدوداً حتى الآن في الشمال والشرق والغرب، مع غياب محور أوروميا في الوسط.

وتتبادل الحكومة الفيدرالية وسلطات تيغراي الاتهامات بشأن بدء التصعيد؛ إذ تقول حكومة تيغراي إن قواتها تحركت دفاعاً عن نفسها بعد هجوم مدعوم بالطيران والمسيّرات والمدفعية، بينما تتهم الحكومة قيادة تيغراي بشن هجمات على مواقعها في عفار وأمهرا والسيطرة على المطارات.

وبصرف النظر عن الروايتين، فإن السيطرة على المطارات تمثل التطور العسكري الأبرز، لما توفره من أهمية للحركة والاتصال والإمداد، فيما يضيف تعليق الرحلات بعداً اقتصادياً وإنسانياً للأزمة، ويزيد الضغوط على إدارة تيغراي التي تواجه أصلاً صعوبات في تأمين الخدمات والإمدادات في ظل ضعف الارتباط اللوجستي بالحكومة الفيدرالية.

التحالف الجديد.. ما هيته وتداعياته

بالنظر إلى تشكيلات التحالف الجديد، يتضح أنه يمثل تحولاً مهماً في طبيعة المعارضة المسلحة للحكومة الفيدرالية؛ فضلا عن أنه يعتبر انتقال المعارضة المسلحة في مناطق جغرافية محددة إلى إطار عابر للأقاليم، إذ يجمع للمرة الأولى في إطار معلن قوى كانت في مراحل سابقة متعارضة أو خاضت مواجهات مختلفة مع الحكومة، بل إن بعض أطرافه قاتلت على جبهات متقابلة خلال حرب تيغراي 2020–2022.

وعلى الرغم من أن القاسم المشترك بين هذه القوى يتمثل في معارضة سياسات الحكومة المركزية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاك التحالف قيادة عسكرية موحدة أو برنامجاً سياسياً متكاملاً، فالمكونات موزعة جغرافياً، ولها أجندات محلية وقومية مختلفة، كما أن قضايا الحدود والأراضي وشكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم قد تشكل مصادر خلاف داخل التحالف نفسه الذي جمع في احشائه كل التناقضات السياسية والعرقية وربما الاقتصادية فيما يتعلق بإمكانات كل جبهة فيه.

لكن أهمية التحالف لا تكمن فقط في قدرته العسكرية المباشرة، وإنما في قدرته المحتملة على ربط عدة أزمات داخلية كانت منفصلة نسبياً ضمن إطار سياسي وعسكري واحد، ما قد يفرض على الحكومة الفيدرالية التعامل مع ضغوط متزامنة في عدة أقاليم جغرافية تبدأ بـ تيغراي وأمهرا شمالاً، وتمتد إلى أقاليم أوروميا في الوسط والجنوب وعفار والصومال الإثيوبي شرقاً، مروراً بإقليم بني شنقول- غمز غرباً، بدلاً من احتواء كل تمرد على حدة.

وتكشف التطورات التصعيدية الأخيرة، أن التنسيق بين بعض هذه القوى بدأ يظهر ميدانياً مع اندلاع المواجهات الأخيرة في مناطق متاخمة لتيغراي وأمهرا وعفار، ما يشير إلى أن التطورات ترفع احتمال تحول الصراع من مواجهات محلية إلى تنسيق متعدد الجبهات يضغط على انتشار الجيش الإثيوبي

موقف الحكومة الإثيوبية.. من التصعيد

بلا شك أن التصعيد الأخير في شمال البلاد، يجعل الحكومة الفيدرالية أمام تحديات متعددة المسارات، حيث تعاملت الحكومة الفيدرالية مع التطورات الأخيرة باعتبارها هجوماً منسقاً يستهدف مواقعها في أكثر من إقليم، وهو ما لوح إليه غيتاتشو ردا مستشار رئيس الوزراء ، في أول تصريح له، وأتهم قيادة تيغراي بشن «هجوم شامل» في عفار وأمهرا، فيما حملت السلطات الفيدرالية جبهة تيغراي مسؤولية الاستيلاء على المطارات وتعطيل حركة الطيران.

لكن من الواضح أيضاً أن الحكومة، ستذهب في البداية إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى جبهات متزامنة، خاصة وأن المعضلة العسكرية أمام أديس أبابا تكمن في أن اتساع نطاق المواجهة المحتملة والتي ستفرض إعادة توزيع قوات الدفاع الفيدرالية على أكثر من محور، في وقت تواجه فيه الحكومة أصلاً تحديات أمنية في أقاليم وازنة ومهمة كـ أمهرا و أوروميا ومناطق أخرى، هذا فضلا عن أن التحالف يحمل بين مكوناته جماعات مسلحة في ذات الأقاليم الملتهبة ما يزيد من التحديات الأمنية والعسكرية.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة لن يكون فقط في استعادة المواقع التي فقدتها في تيغراي، وإنما في قدرتها على منع التحالف الجديد من تحويل تعدد الجبهات إلى استراتيجية إنهاك للقوات الفيدرالية.

لكن يبدو من المهم أن نشير إلى أبرز التداعيات الداخلية المتوقعة، حيث يتوقع احتمال تحول التحالف الجديد من إطار لتجميع الخصوم السياسيين للحكومة إلى آلية لتنسيق العمليات العسكرية بين جبهات مختلفة، وفي هذه الحالة، قد تواجه القوات الفيدرالية ضغوطاً متزامنة من الشمال والوسط والغرب، بما يزيد صعوبة تركيز القوة في جبهة واحدة، فضلاً عن أن استمرار القتال قد يعيد إنتاج موجات النزوح والأزمة الإنسانية التي خلفتها حرب تيغراي، ويهدد الخدمات الأساسية وحركة النقل والتجارة.

وإن كان تعدد مكونات التحالف لا يعني تلقائياً امتلاكه القدرة على العمل كجيش موحد؛ فالاختلافات في الأهداف والمصالح المحلية، والتباعد الجغرافي، وتباين الأولويات السياسية والعسكرية، تمثل عوامل تحد من قدرته على التحول سريعاً إلى قوة مركزية قادرة على فرض تغيير سياسي في أديس أبابا. وهذا ما يجعل مستقبل التحالف مرتبطاً بقدرته على المحافظة على التنسيق أكثر من ارتباطه بمجرد الإعلان عن تشكيله.

الاتحاد الأفريقي.. أمام تحدي حقيقي

بذات التحديات التي تواجه الحكومة الإثيوبية، جراء التصعيد الأخير في شمال البلاد، يواجه الاتحاد الافريقي هو الآخر تحدي حقيقي، وإن اختلفت الدوافع، حيث يضع الراهن الإثيوبي المنظمة الافريقية في مواجهة من عدة مداخل الأول أن الاتحاد الافريقي هو الراعي لاتفاق السلام الموقع بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي وبالتالي فأن تطور الوضع العسكري والأمني والسياسي في إقليم تيغراي يضع المنظمة أمام تحدي واختبار في مهمته، هذا بجانب أن الاتحاد الافريقي يتخذ من أديس أبابا مقراً له وفي هذا تواجه المنظمة تحدى التوفيق ما بين الحكومة الإثيوبية التي تطالب بمراعات خاصة كونها مقراً وما بين أن تكون المنظمة ذات مصداقية وموقف حياد حقيقي لحسم القصور الذي لازم بنود الاتفاقية.

 ونظراً لكل تلك التعقيدات والتقاطعات، جاء موقف الاتحاد الأفريقي في بيانه الأخير المتعلق بالتصعيد في شمال إثيوبيا في الثالث والعشرون من الشهر الجاري، جاء واضحاً في اعتبار التصعيد الحالي تهديداً مباشراً للمكاسب التي تحققت منذ اتفاق بريتوريا.

وفي بيان رسمي وعاجل بعيد التطورات الأخيرة في شمال إثيوبيا، أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف عن «قلق عميق» إزاء التصعيد العسكري، وسيطرة قوات تيغراي على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، وأعمال القتال في جنوب تيغراي وعفار، إضافة إلى تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية الجديدة.

والأهم أن الاتحاد الأفريقي لم يتعامل مع الأحداث باعتبارها أزمة أمنية منفصلة، بل أعاد ربطها مباشرة باتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، مؤكداً أن الاتفاق  لا يزال الإطار الأساسي للسلام والاستقرار والمصالحة في إثيوبيا، وأن السيطرة على المطارات المدنية تتعارض مع الالتزامات المرتبطة بالاتفاق وتهدد المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، وفق بيان الاتحاد الافريقي.

وفي هذا السياق، دعا الاتحاد الافريقي إلى وقف التصعيد والعودة الفورية إلى الحوار المباشر، وطلب من جميع دول الجوار الامتناع عن أي خطوات يمكن أن تزيد التوتر، في إشارة إلى أن المنظمة القارية تتعامل مع التطورات باعتبارها قابلة للانتقال من أزمة داخلية إلى أزمة إقليمية أو ربما نمى لعمها تورط أطراف خارجية في التصعيد بحسب الاتهامات التي تطلقها أديس أبابا.

وفي خطوة عملية، أعاد رئيس المفوضية تفعيل دور أولوسيغون أوباسانجو، المبعوث الأعلى للاتحاد الأفريقي للقرن الأفريقي، للتواصل بصورة عاجلة مع الأطراف ودعم جهود خفض التصعيد وحماية مسار السلام.

البعد الإقليمي.. لا سيما دول الجوار الإثيوبي

تبرز من خلال الأزمة الإثيوبية المتجددة بعد التصعيد الأخير في شمال البلاد، أبعاد إقليمية بصورة مباشرة وغير مباشرة، خاصة دول الجوار التي ترتبط بالوضع الإثيوبي على مستويات أمنية وسياسية واقتصادية، تبدأ بإريتريا والتعقيدات الأمنية والسياسية في علاقات البلدين، وتمدد إلى السودان على خلفية الوضع الذي تعيشه الخرطوم والتعقيدات الأمنية والسياسية الأخيرة في علاقاتها مع أديس أبابا، قبل أن تدخل جيبوتي على الخط اقتصاديا وسياسياً لما بينها وأديس أبابا من علاقات استراتيجية في المسار الاقتصادي وعمق اجتماعي على حدود البلدين . 

وبتفكيك هذه الابعاد الإقليمية للأزمة الإثيوبية على دول الجوار، تظل إريتريا الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة الجديدة بحكم الحدود المباشرة مع تيغراي والتاريخ العسكري والسياسي للصراع، في ظل اتهامات الحكومة الإثيوبية لأسمرة بتقديم دعم مالي أو سياسي لبعض مكونات التحالف الجديد، وهي اتهامات تنفيها الأخيرة.

وتزداد حساسية العامل الإريتري لأن أي تحول في الصراع من مواجهة إثيوبية داخلية إلى مواجهة غير مباشرة بين أديس أبابا وأسمرة يمكن أن يوسع نطاق الحرب شمالاً، ويعيد منطقة الحدود الإثيوبية–الإريترية إلى دائرة الاستقطاب العسكري.

أما على مستوى السودان، فإن التصعيد يحمل مخاطر خاصة بالنسبة للسودان، الذي تتقاطع حدوده مع إثيوبيا في ثلاث أقاليم رئيسية هي تيغراي وأمهرا وبني شنقول، كما أن التطورات تأتي في وقت تتزايد فيه أصلاً الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن الدعم العسكري للأطراف المتحاربة في السودان.

وتشير تحليلات إقليمية حديثة إلى أن التوتر الإثيوبي–الإريتري والصراع السوداني باتا أكثر ترابطاً، بينما توقعت مراكز مراقبة عالمية احتمال تشكل حرب بالوكالة بين أطراف إثيوبية وإريترية وسودانية في ظل اتساع التحالفات المسلحة على جانبي الحدود.

وليس بعيداً أن يفتح تجدد حرب تيغراي المجال أمام تحركات عبر الحدود، وتدفقات جديدة للنازحين، وزيادة النشاط العسكري في شرق السودان، خصوصاً إذا تداخلت جبهات تيغراي وأمهرا مع التوتر القائم بين السودان وإثيوبيا.

تبقى من دول الجوار الإثيوبي الأكثر تأثيرً من التصعيد الأخير في إثيوبيا، دولة جيبوتي حيث تختلف طبيعة التأثير عليه، مقارنة بدولتي إريتريا والسودان، وإن كان لا يقل أهمية من الناحية الاستراتيجية -فأي اضطراب ممتد في إقليم عفار المجاور لجيبوتي يقترب من الممر الحيوي الذي يربط إثيوبيا بميناء جيبوتي، وهو شريان رئيسي للتجارة والإمدادات الإثيوبية.

وبالتالي فإن استمرار القتال في عفار أو انتقاله إلى مناطق قريبة من الطرق التجارية يمكن أن يرفع كلفة النقل ويؤثر على حركة السلع والإمدادات، فضلاً عن أن جيبوتي تقع أصلاً في بيئة أمنية شديدة الحساسية عند باب المندب والبحر الأحمر، كما أن الوجود العسكري الدولي الكثيف في جيبوتي يجعل أي تدهور كبير في أمن القرن الأفريقي موضع متابعة من قوى دولية متعددة.

التداعيات الإقليمية والدولية

إذا استمرت المواجهات، فإن الأزمة قد تنتقل تدريجياً من كونها أزمة إثيوبية داخلية إلى أزمة أمنية في القرن الأفريقي، خصوصاً مع وجود روابط مباشرة بين ملفات إثيوبيا وإريتريا والسودان والبحر الأحمر، وهي الأهمية التي فسرها التحرك السريع للاتحاد الافريقي وإصداره بياناً يحمل بين طياته كثير من التحذيرات والدعوات لأطراف الصراع.

وبدى الاتحاد الافريقي واضحا في البيان، أنه يحاول بصورة عاجلة منع انهيار اتفاق بريتوريا قبل أن تصبح الوقائع العسكرية الجديدة أكثر رسوخاً، بينما يمكن أن تتزايد الضغوط الدولية إذا امتد القتال إلى مناطق مأهولة أو تسبب في موجات نزوح واسعة أو هدد طرق التجارة والممرات الإقليمية.

وتكشف دعوة الاتحاد الأفريقي دول الجوار إلى عدم التدخل في التصعيد أن المخاوف لا تقتصر على أطراف الصراع الإثيوبي نفسها، وإنما تشمل احتمال انتقال التنافس بين دول المنطقة إلى الساحة الإثيوبية عبر دعم أطراف محلية متنافسة.

وأخيراً، تعكس أحداث الأسبوع الأخير في إثيوبيا، انتقال الأزمة الإثيوبية إلى مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد عودة التوتر بين الحكومة الفيدرالية وتيغراي، إلى دخول عناصر جديدة واتساع رقعة التحرك العسكري من خلال ميلاد التحالف الجديد المتنوع جغرافيا وعرقيا وسياسياً، وأن انتقال المواجهة إلى المطارات والمواقع العسكرية في تيغراي وامتدادها إلى عفار وأمهرا بعد ثلاثة أيام فقط، يعطي التطورات بعداً جديداً يتمثل في احتمال تلاقي عدة صراعات داخلية ضمن مسار عسكري واحد مع تزايد المخاوف من أن تتحول المواجهات إلى حرب بالوكالة تصبح تيغراي والأقاليم المجاورة ساحة لها.

ولا يعني ذلك أن التحالف بات قوة عسكرية موحدة أو أنه قادر بصورة مباشرة على تغيير موازين السلطة في أديس أبابا؛ لكن خطورته تكمن في قدرته المحتملة على فتح جبهات متزامنة وإجبار الحكومة على توزيع مواردها العسكرية والأمنية على نطاق أوسع.

أما إقليمياً، فإن استمرار التصعيد سيضع إريتريا والسودان وجيبوتي أمام تداعيات مختلفة: احتمال تصاعد التوتر على الحدود الشمالية، زيادة ارتباط الحرب الإثيوبية بالأزمة السودانية، وضغوط أمنية واقتصادية على الممر الإثيوبي–الجيبوتي.

ومن هنا تأتي أهمية تحرك الاتحاد الأفريقي وإعادة تفعيل دور أوباسانجو؛ إذ إن الرسالة الأساسية لبيان المنظمة الافريقية بعيد التصعيد في شمال إثيوبيا، هي أن الاتحاد الافريقي لا يريد التعامل مع الأحداث باعتبارها حرباً إثيوبية جديدة فحسب، وإنما باعتبارها اختباراً لمسار بريتوريا ولأمن القرن الأفريقي بأكمله، ففي حال فشلت جهود خفض التصعيد، فقد تنتقل الأزمة من صراع داخلي متعدد الجبهات إلى صراع إقليمي تتداخل فيه التحالفات والحدود والمصالح الأمنية لدول القرن الأفريقي.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *