WhatsApp Image 2026 01 19 at 08 36 32

بقلم الأستاذ / على محمد محمود

نالت إرتريا استقلالها عام 1993م بعد نضال طويل، وهي تحتل موقعاً جغرافياً سياسياً استراتيجياً على سواحل البحر الأحمر، بعد أن تعاقبت عليها أنظمة استعمارية مختلفة لقرون. تتميز إرتريا بموانئ تاريخية مثل ميناء “عدوليس” الذي أسسه اليونانيون في القرن الثالث قبل الميلاد، وبإطلالتها على مضيق باب المندب، الذي يضم جزيرتي “فاطمة” و”حلب” الاستراتيجيتين، من بين 126 جزيرة إرترية. يمثل هذا الممر الذي يربط المحيط الهندي بجنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً، حيث يبلغ عرضه حوالي 26 كيلومتراً، ويمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية.(1)

تتجلّى أهمية البحر الأحمر بوضوح منذ قرون، لدوره كممر تجاري محوري يربط آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا. وتتزايد هذه الأهمية بسبب تركز البنية التحتية الاستراتيجية على سواحله، والتي تشمل الموانئ، ومرافق الوقود، ومحطات الاتصالات البحرية، والقواعد العسكرية للدول الأجنبية. وقد عزز افتتاح قناة السويس عام 1869 مكانة البحر الأحمر، ليصبح الطريق المفضل لشحن البضائع بين أوروبا وآسيا. يُعد البحر الأحمر شريان حياة حيوي لربطه سلاسل الإمداد العالمية، حيث تمر به نحو 17% من حركة التجارة البحرية العالمية. كما تضاعفت أهميته الأمنية بفضل عبور الكابلات الأرضية عبره، إذ يوجد ما لا يقل عن 16 نظام كابل نشط في المنطقة، منها: • SEA-ME-WE 3، 4، 5، وهو من أقدم الأنظمة، ويربط سنغافورة والهند والسعودية ومصر وأوروبا الغربية. • AAE-1، الذي يربط شرق آسيا بأوروبا الغربية عبر البحر الأحمر.. (2)

لطالما كان القرن الإفريقي مسرحًا لتنافس القوى الخارجية عبر القرون، نظرًا لموقعه الاستراتيجي، حيث تعاقبت عليه إمبراطوريات عظيمة. وكانت هذه المنطقة من أوائل المناطق في أفريقيا التي ذاقت ويلات الغزو الخارجي وتنافس الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر، مما أدى إلى نشوء دوامة من التنافس والصراع فرضت ضغوطًا متجددة على القرن الإفريقي. نتيجة لذلك، تُرِكت أراضي القرن الإفريقي مقسمة بين النفوذ الإيطالي والبريطاني والفرنسي. ولا تزال المنطقة تتفاعل حتى يومنا هذا مع التحديات الجيواقتصادية والجيوسياسية، مما يفسر الازدحام العسكري في دولها ومياهها بالجيوش والسفن والبارجات الحربية، تحت مبررات متباينة (3). تعاني دول القرن الإفريقي من أزمة بنيوية متجذرة في آليات ما بعد الاستعمار التي فرضها المستعمرون كأدوات للسيطرة والهيمنة على مقدرات شعوبها قبل رحيلهم، مما حال دون إتاحة الفرصة لتلك الدول للتنمية الذاتية والاستفادة من مواردها. كما تتفاقم معاناتها بسبب الإخفاقات المتكررة والمزمنة لبرامج الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويعود ذلك إلى الآليات التي خلقت التفكك الداخلي الذاتي، وآليات تكثيف الصراعات، واستغلال الثغرات، وفرض الخيارات السياسية التي تخدم مصالح القوى الوكيلة بدلاً من مصالح الأوطان، الأمر الذي يضمن استمرار التبعية. (4)

إرتريا: بين التحديات الداخلية والتنمر الخارجي

تُصنَّف إرتريا ضمن الدول الصغيرة، بيد أن ما يميزها هو شاطئها الطويل الذي يمتد لأكثر من ألف كيلومتر، وموانئها المتعددة. ومع ذلك، يقلقها موقعها المحوري بين دول جوار قوية مثل إثيوبيا والسودان والمملكة العربية السعودية.

تكمن مشكلة إرتريا في ذاتها؛ فمنذ استقلالها، لم تُؤسِّس نظامًا سياسيًا واقتصاديًا يُعتَدُّ به داخليًا ويحظى باحترام العالم. لم يجلب الاستقلال للشعب الإرتري السلام أو الرخاء، بل على العكس، تسبب في تشريد الشباب نتيجة لفرض الدولة سيطرتها الكاملة على حياتهم، بدءًا من المدارس وصولًا إلى خنادق الجيش. وقد أثار هذا الوضع استياءً واسعًا، مما جعل الوطن طاردًا للقوى الحية في المجتمع ومُشجعًا على البحث عن أوطان بديلة. لقد أخفق النظام الحاكم برئاسة إسياس أفورقي في تحقيق تطلعات الشعب الإرتري؛ فالحكومة الإرترية لا تزال مؤقتة حتى اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود من عمر الدولة الوليدة، وإرتريا تُحكم بدون دستور. ونتيجة لذلك، تخلفت عن مسيرة التنمية وتُعدُّ من أقل الدول نموًا، حيث احتلت المرتبة 174 من بين 189 دولة.(5) كما أنها لم تبنِ علاقات استراتيجية دائمة مع دول قوية، سواء إقليميًا أو دوليًا، فقد اتسمت علاقاتها منذ الاستقلال وحتى الآن بالتوتر والصراع، ودخلت عدة حروب، وهو النهج ذاته الذي اتبعته في علاقاتها مع دول العالم.

كان من المفترض أن تكون علاقة إرتريا متينة وقوية مع جميع جيرانها، فقد وقفت هذه الدول إلى جانب الثورة الإرترية إبان النضال الوطني ودعمت استقلالها. وحتى إثيوبيا، بعد سقوط نظام منغستو، لم تعد إثيوبيا الاستعمارية؛ فالنظام الذي وصل إلى سدة الحكم كان على علاقة وثيقة بالثورة الإرترية، ولذلك لم يمانع في تلبية مطالب إرتريا بالاستقلال، بل تعاون معها إلى أقصى حد لتحقيق استقلالها والاعتراف بها كدولة ذات سيادة. وكان يُتوقع أن تكون العلاقة بين البلدين استراتيجية لعدة عوامل، منها التاريخ المشترك والتداخل السكاني، والتنسيق السياسي والعسكري الذي ساهم في تحرير الشعب الإثيوبي من أنظمة دكتاتورية متخلفة مثل هيلي سلاسي ومنغستو هيلي مريم. لكن العلاقة بين البلدين سرعان ما تأزمت، وكان بالإمكان احتواء الخلاف بسهولة، إلا أن عقلية إسياس أفورقي وطموحه المفرط في حكم القرن الإفريقي عرقلت الحلول الممكنة التي كان يمكن أن تؤسس لعلاقات تكاملية. وبدلاً من ذلك، انزلقت الأوضاع إلى حرب طاحنة، وأثبتت إثيوبيا قدرتها على محاصرة إرتريا. وشكّل وصول آبي أحمد إلى الحكم عام 2018م فرصة لإخراج إرتريا من عزلتها، إلا أن إصرار إسياس أفورقي على الانتقام من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عقد المشهد السياسي، وتجددت العقوبات الدولية على إرتريا. بل إن آبي أحمد اندفع لإحياء طموحات أباطرة إثيوبيا التاريخية ويتطابق الفعل مع المثل “إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا” ليضع إرتريا في محك خطير، مطالباً بالوصول السيادي إلى البحر، بل والادعاء بتبعية عصب التاريخية لإثيوبيا، والتشكيك في أن استقلال إرتريا تم على يد حكومة غير منتخبة. وبغض النظر عن قانونية مزاعم إثيوبيا، فإن إرتريا لا تتحرك اليوم بما يكفي لوقف الابتزاز الإثيوبي. ويأتي هذا وقد بلغ الوضع الداخلي اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وسياسا إلى مرحلة حرجة. وتململ من سياسات الحروب الدائمة واستمرار الأزمات الداخلية، ولا ترى في الأفق أي بوادر انفراج أو حلول بعد أن سئمت الانتظار.

علاقات متوترة مع دول الجوار

بعد عقود من حرب التحرير، كان المأمول من دولة حديثة العهد تخلّصت من الحكم السابق، وورثت بنية تحتية مدمرة ومؤسسات خدمة مدنية منهارة، أن تكون علاقاتها مع دول الجوار والعالم قائمة على التعاون والتكامل لسد الفجوة التنموية بينها وبين الدول الأخرى. إلا أن علاقات إرتريا مع دول الجوار المباشر اتسمت بالتوتر واستخدام القوة لحل المشكلات الأمنية والحدودية؛ فلم تسلم دولة من مغامرات الرئيس أسياس أفورقي العسكرية وتنكّره. بدأ الأمر بالسودان، حيث قطعت إرتريا علاقاتها به عام 1994، أي بعد عام واحد فقط من استقلالها، وسلمت السفارة السودانية للمعارضة السودانية في سابقة تخالف الأعراف الدبلوماسية، ثم غزت شرق السودان عام 2002. (6) كما احتلت عسكرياً أرخبيل حنيش الكبرى اليمني في البحر الأحمر بعد عامين فقط من الاستقلال، ولم تنسحب إلا بعد أن قضت محكمة العدل الدولية في أكتوبر 1998 بأحقية السيادة اليمنية على هذه الجزر. (7) وبعد خمس سنوات فقط من الاستقلال أيضاً، دخلت إرتريا في حرب شرسة مع إثيوبيا، بالإضافة إلى توتر العلاقات مع جيبوتي عام 1996 ثم عام 1999، وتصاعد الوضع إلى صدام مسلح عام 2008.(8) في جميع هذه النزاعات، كانت إرتريا تبدأ بالقتال ثم تسعى للتسوية لاحقاً، مما يدل على ترسيخ “دبلوماسية الحرب” المتأصلة في تجاربها السابقة خلال حرب التحرير، وعدم تحولها نحو “دبلوماسية الدولة”، وهي منهجية اتبعتها في جميع صراعاتها مع دول الجوار، رغم أن كلفتها المادية والبشرية والسياسية كانت باهظة.

ونتيجة لذلك، تُصنَّف إرتريا كدولة مزعزعة لاستقرار منطقة القرن الأفريقي، كما ورد عن مجموعة الأزمات الدولية، إما بدخولها في حروب مباشرة أو بدعمها للميليشيات المناهضة لحكومات المنطقة. كما أن تعنتها في قبول الحوار والتفاوض وضعها في مسار تصادمي مع المجتمع الدولي، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية عليها مرات عديدة.

هشاشة التحالفات

لم تتمكن إرتريا من بناء علاقات استراتيجية مستدامة مع دول العالم، رغم موقعها الجيوسياسي المتميز، وذلك نتيجة غياب رؤية طويلة الأمد وغياب مؤسسات حكم قادرة على وضع خطط محكمة وقيادتها برؤية شاملة. حتى التحالفات التي أقامتها لم تدم طويلاً؛ لأنها تتعامل مع نفسها كمركز ثقل وجذب محوري يجب أن تدور حوله كافة العناصر المكوِّنة للتحالف، بدلاً من العمل بشكل تكاملي. ولهذا، لم ترتقِ هذه التحالفات إلى مستوى منظومة الردع الفعّالة.

لا تستند رؤية إرتريا في بناء العلاقات إلى أسس راسخة أو خطط لاستمراريتها، بل تعتمد على التشكيك في الآخرين والخوف منهم، ومهاجمة جميع الدول بعنف، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول المجاورة، بالإضافة إلى المنظمات الدولية كـمجلس الأمن، والوكالات والمؤسسات المانحة، والمنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والجامعة العربية، والمنظمات الحقوقية الأخرى. كل ذلك دون أن تقوم بمراجعة سياساتها وتفهم أسباب عدم توثيق علاقاتها بالدول الأخرى، ودون إدراك لحجمها كواحدة من أقل الدول الأفريقية نموًا وتأثيرها المحدود في الحسابات السياسية من حيث التقدم الفعلي.

خلال ما أُطلق عليه “الحرب العالمية على الإرهاب”، عرضت الحكومة الإرترية على الولايات المتحدة الأمريكية التعاون لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة، واستعانت بشركة ضغط مقرها واشنطن في عام 2002. إلا أن الولايات المتحدة فضلت جيبوتي (9). وكان رد فعل إرتريا في عام 2005 هو طرد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). ) ومن هنا يمكننا أن نستنتج كيف تغلبت عليها إثيوبيا، العدو التقليدي، بسهولة، وأظهرتها بمظهر الدولة الشريرة أو المنبوذة، أو أطلقت عليها الإعلام الدولي لقب “كوريا الشمالية الأفريقية”.

بدأت إرتريا بعلاقات قوية مع أمريكا وأوروبا وإسرائيل، ولكن هذه العلاقات لم تستمر أو تتطور بما يعود بالنفع الحقيقي على البلاد.

تتمثل علاقة إرتريا بالكيان الصهيوني: في إدراك الكيان الصهيوني لأهمية موقع إرتريا، وهو ما دفعه في البداية للتنسيق مع هيلي سلاسي والوقوف ضد الثورة الإرترية. ولكن عندما أصبح الاستقلال حتمياً، انتهز الكيان الفرصة لتوثيق علاقته بإرتريا قبل إعلان استقلالها بشهر واحد، حيث افتتح سفارته في أسمرا في مارس 1993م. ورأى الكيان في إسياس أفورقي الشخص المناسب الذي يمكن دعمه والوقوف معه، لأن إسياس أفورقي كان يصرح علانية بإعجابه بالكيان الصهيوني كنموذج ناجح في المنطقة، وعلى إرتريا أن تقتفي أثره وتقليده وتوثق علاقاتها به. وكانت زيارة أفورقي الأولى للكيان لغرض الاستشفاء وعقد الصفقات. من جانبها، اهتمت إسرائيل بهذه العلاقات التي ازدهرت في مجالات متنوعة؛ مثل إدخال الزراعة بالري بالتنقيط. كما أجرت وزارة البنية التحتية الوطنية الإسرائيلية، بين عامي 1995 و1997، مسوحات جيولوجية بالتعاون مع إدارة المناجم الإرترية، رسمت خرائط لاحتياطيات البلاد من المعادن والطاقة والمياه.(10) وقد مُنحت إسرائيل ست جزر في المياه الإرترية، وكانت سفارة الكيان الإسرائيلي هي الأكبر بين السفارات، بالإضافة إلى وجود ستين مستشاراً عسكرياً إسرائيلياً في إرتريا، وعدد من الزوارق الحربية المزودة بشبكة اتصالات متقدمة في ميناء مصوع، وطائرات تجسس. ووقعت اتفاقية أمنية عسكرية بينهما في فبراير 1996م تضمنت التزام إسرائيل بتلبية احتياجات إرتريا الدفاعية لمواجهة التهديدات القادمة من اليمن والسودان، وتشكيل فريق عمل دفاعي يضم خبراء في شؤون التسليح. وتولى حوالي 620 ضابطاً وعنصراً من العسكريين الإسرائيليين تدريب القوات الإرترية في السنوات الأولى بعد الاستقلال.(11) إلا أن العلاقة تدهورت لاحقاً؛ بسبب عدم قدرة إرتريا لفهم إدارة العلاقات المزدوجة، فهي لم تتصور إمكانية أن يكون لإسرائيل علاقات بنفس القدر مع إثيوبيا، وهو ما يدل على قصور فهم الدبلوماسية الإرترية لسير علاقات الدول، ومن ذلك الوقت تدحرجت العلاقة بين البلدين إلى أن وصلت إلى رفض أسمرا تعيين السفير الإسرائيلي الجديد في عام 2020 دون إبداء أسباب، مما اضطر إسرائيل إلى إغلاق سفارتها في أسمرا في العام ذاته. وفي عام 2022، أقرّ الكنيست قانوناً يهدف إلى ترحيل المهاجرين الإرتريين المؤيدين لحكومتهم. وفي المقابل، تطورت وتوثقت علاقة إسرائيل بإثيوبيا. وبغض النظر عن الأسباب، يبدو أن إرتريا لا تُحسن الحفاظ على أي علاقات تؤسسها.

علاقة إرتريا بإيران

انطلقت العلاقات الإرترية الإيرانية بجدية في مايو 2008، عقب زيارة الرئيس الإرتري إسياس أفورقي لطهران ولقائه بالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، حيث اتفقا على تعزيز التعاون بين البلدين في القضايا الإقليمية والدولية، وفي المجالات الثقافية والعلمية والتعليمية.

شمل هذا التعاون مجالات حيوية متعددة؛ من أبرزها تجديد مصفاة عصب النفطية، ورغبة إيران في المساهمة بدعم مشاريع التنمية الإرترية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، ورفع مستوى التبادل التجاري والتعدين. كما قدمت إيران عرضًا لإنشاء محطات كهرباء تعمل بالوقود الإيراني لدعم شبكة الطاقة المحلية. وفي المجال الإنساني، أرسلت طهران بعثات طبية متخصصة إلى المناطق الساحلية النائية، وقدمت خدمات علاجية وبرامج تدريبية للكوادر المحلية، بالإضافة إلى تقديم قرض بقيمة 25 مليون يورو واستئجار قاعدة بحرية في ميناء عصب. وبالمقابل، أيدت إرتريا البرنامج النووي الإيراني في مناسبات عدة.(12)

الجميع يدرك أهمية هذه العلاقة بالنسبة لإيران، حيث يمثل التمدد في هذه المنطقة ضرورة استراتيجية تفرضها حسابات ومتطلبات الحفاظ على أمنها القومي، مما يعزز تأثير سياساتها الخارجية تجاه المنطقة، خاصة مع اشتداد التنافس الإقليمي والدولي على سواحل البحر الأحمر.

السؤال المطروح هو: هل كان التقارب مع إيران خيارًا استراتيجيًا لإرتريا نابعًا من ضرورات أمنية واقعية فرضتها البيئة الإقليمية، أم كان خيارًا عابرًا يهدف إلى مجرد مناكفة دول الجوار والدول الغربية؟ والواضح أن هذا التقارب كان مجرد مراوغة سياسية قصيرة النظر، لم تصمد أمام الضغوطات الغربية والحوافز العربية.

علاقة إريتريا بمحيطها العربي: سعت الدول العربية التي دعمت استقلال إرتريا إلى إقامة علاقات متميزة معها، إلا أن إرتريا لم تستجب، إذ ركزت اهتمامها على الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل. ورغم صدمتها اللاحقة من النظرة الغربية التي تصنف دول العالم الثالث كدول هامشية تابعة، لم تبادر إرتريا بتحسين علاقاتها مع محيطها العربي بشكل استراتيجي يهدف إلى بناء شراكات طويلة الأمد.

في عام 2015م، طلبت إرتريا من إيران مغادرة ميناء عصب، وسرعان ما تحولت لإقامة علاقات استراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة، حيث منحتها امتيازات في ميناء عصب بعقد مدته 30 عاماً، بهدف تحويل “عصب” إلى مركز لوجستي حيوي لقربه من اليمن (نحو 70 كيلومتراً أو 40 ميلاً). كما أرسلت إرتريا 400 جندي لدعم الحملة الإماراتية ضد الحوثيين، مما عزز مكاسبها الميدانية. وفي المقابل، عملت الإمارات على تحديث المطار العسكري الذي يضم مدرجاً بطول 3500 متر لاستيعاب طائرات C-17، ويضم الموقع أيضاً منفذاً إلى البحر الأحمر ومركزاً للتدريب. ووفقاً لتقرير لوكالة أسوشييتد برس، ضخت الإمارات ملايين الدولارات لتحسين المنشأة التي تبلغ مساحتها 9 كم، فشيدت فيها ثكنات وحظائر للطائرات، ووضعت خطة تنموية طموحة لجعل ميناء عصب يضاهي الموانئ الدولية الأخرى.(13)

لكن فجأة، ودون إبداء أسباب، طلبت إرتريا من الإمارات إنهاء وجودها في عصب في ديسمبر 2020م، متبعة بذلك النهج ذاته الذي اتبعته مع عدد من الدول.

فشلت إرتريا في بناء علاقات استراتيجية مع دول العالم؛ فعلى الرغم من استعداد الصين لتطوير موانئ إرتريا بعد زيارة الرئيس الإرتري في مايو 2023م، إلا أن النظام عطل هذه الفرص. وبالمثل، لم يبت الرئيس الإريتري في عرض روسي لإقامة قاعدة لوجستية على السواحل الإرترية بعد زيارات ومحادثات رفيعة المستوى، مما دفع روسيا للتحول والتفاوض مع السودان.

صلابة الإستهداف الذي تواجهه إرتريا

تتعرض إرتريا لضغوطات وتجاهل. ضغوطات من تحالف ثلاثي تجمع بينه مصالح يضم إثيوبيا والإمارات وإسرائيل، وتجاهل من ثلاثة أقطاب كان من المفترض أن توفر الحماية لإرتريا من تنمر إثيوبيا، وهم مجلس الأمن، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد. تكثف إثيوبيا تحشيدها السياسي والعسكري والإعلامي ضد إرتريا، مُعلنةً صراحة أن خطتها تتضمن الاستيلاء على ميناء عصب وتغيير النظام في أسمرة. وبغض النظر عن إمكانية تحقيق هذا الهدف، فإنه يعكس مدى التصعيد الذي وصل إليه التفكير الإثيوبي دون خوف من الرأي العام الدولي. فقد أبلغ وزير الخارجية الإثيوبي، جيديون تيموثيوس، أعضاء البرلمان الاتحادي في ديسمبر 2025 أن مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري دخلت مرحلة التنفيذ، وأنها تُظهر “مؤشرات مشجعة”. وأكد مجدداً أن تأمين الوصول إلى البحر يمثل أولوية وطنية طويلة الأمد. وقد حصلت إثيوبيا على دعم مالي وعسكري أجنبي، خاصة من الدول ذات المصالح الراسخة في منطقة البحر الأحمر، حيث أوجدت شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية وعمقت شراكاتها مع الشركات متعددة الجنسيات لمصالحها التجارية، ومنها خططها لبناء قاعدة بحرية في أرض الصومال. كما ظفرت بدعم عسكري، لاسيما في مجال المسيرات التي حصلت عليها من عدة دول منها الإمارات وإيران وتركيا وإسرائيل، بالإضافة إلى تطوير سلاح جوها مؤخراً بطيران حديث، وتتوقع دعماً كاملاً من الإمارات وإسرائيل. وفي تقدير القادة الإثيوبيين، ستكون المعركة سهلة نظراً للإرهاق الذي يعاني منه الجيش الإريتري وقلة تسليحه، ولفوارق القوة، واستخدام الموجات البشرية الإثيوبية..(14)

ترى إسرائيل في إثيوبيا حليفاً مهماً، ولم يكن اعترافها بالصومالاند قراراً عشوائياً أو معزولاً. فالأمر لا يقتصر على إعادة تموضع إسرائيل الاستراتيجي في القرن الأفريقي، رغم أهميته، بل يتماشى أيضاً مع الدور المحوري والخطط التي تضطلع بها إثيوبيا، وهذا الإعتراف من دولة بحجم وتأثير إسرائيل يوفر لإثيوبيا غطاءً دبلوماسياً مهما. وبالمقابل فإن إثيوبيا تعد في الاستراتيجية الإسرائيلية فاعلاً رئيسيا وركيزة إقليمية هامة، فكانت معاملتها تفضيلاً واختباراً دبلوماسياً لحليف إقليمي رئيسي. فقد كتب شلومي مايكلز، المسؤول الأمني الإسرائيلي الكبير السابق والأستاذ المساعد في جامعة كولومبيا، والذي يعمل حالياً كخبير استراتيجي سياسي: “إذا سقطت الصومال وإرتريا في أيدي المتطرفين، ستصبح إثيوبيا عرضة للخطر وستُترك لمصيرها. تمثل إثيوبيا آخر دولة صامدة في النضال من أجل الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي. ويقول: لهذا يجب رفع العقوبات الغربية عن إثيوبيا، وتزويدها بالدعم المالي والعسكري اللازم لقيادة الحرب ضد الإسلاميين. كما يتعين على إسرائيل دعمها بالمعلومات الاستخباراتية في إطار تحالف استراتيجي بين أديس أبابا والقدس وواشنطن”. (15)

أما ثالث الأضلاع الذي تواجهه إرتريا فهي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي وصفها وزير الدفاع الأمريكي السابق جيم ماتيس بـ”إسبرطة الصغيرة”، والتي بلغت حدود توسعها العسكري في الصراع الإقليمي. بنت الإمارات نهجًا استراتيجيًا طموحًا لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا والمناطق البحرية الواقعة بينهما، في مسعى للسيطرة على موانئ جنوب اليمن والجزر المقابلة لساحلها، وكذلك في الصومال وشرق إفريقيا. تتبنى الإمارات سياسة خطيرة تتمثل في تقسيم البلدان، وهو ما يظهر في ليبيا والصومال واليمن والسودان، وتتوعد وتهدد إرتريا بنفس المصير. كما تعمل على استنزاف الجيوش الوطنية بدعم الميليشيات العابرة للحدود. الخطط الإماراتية المزعزعة لاستقرار الدول في المنطقة، تجد الدعم من الكيان الإسرائيلي عبر الشراكة الاستراتيجية القوية التي نشأت بين إسرائيل والإمارات، والتي تبنّت صراحة اتفاقيات أبراهام لعام 2020. وبالمثل تُعد الإمارات الشريك الأقرب لإثيوبيا بتقديم دعم اقتصادي بقيمة 2.4 مليار دولار، بالإضافة إلى الدعم العسكري والأمني والسياسي. وتُعتبر الإمارات القوة المسيطرة على الأقاليم الصومالية، بما في ذلك أرض الصومال، وهي القوة المؤثرة في البحر وهي من شجعت إثيوبيا لتوقيع مذكرة التفاهم.

خلاصة: بالنظر إلى أن التوازن الجيوسياسي هو المحرك الأساسي لتحليل ديناميكيات السياسة الإقليمية، يطرح سؤال، في الوقت الذي تبذل فيه شخصيات مثل مايكل روبين ومارتن بلاوت، إلى جانب مؤيدين آخرين لسياسات التدخل، الدعوة إلى تغيير النظام في إرتريا. ويشمل ذلك تبني إقامة حكومة غرترية في المنفى لا تحظى بأي اعتراف رسمي أو شعبي، وتقديم الدعم لمختلف جماعات المعارضة السياسية، التي دعا بعضها تاريخيًا إلى تفكيك إرتريا، وتحالفت مع فصائل معادية في دول مجاورة تسعى لتقويض سيادة إرتريا.(16)

هل تستطيع إرتريا، التي تعاني من قيود متزايدة بسبب هشاشتها الداخلية والشكوك الدولية، وهي عوامل تُضعف موقفها المعلن المتحدي للدول القوية، أن تحافظ على مصالحها الوطنية وتعزز استقلاليتها؟ يأتي هذا التساؤل في ظل الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية التي باتت تشكل تحديات جغرافية سياسية صارخة، ومدى قدرة إرتريا على مواجهة هذه المستجدات وتأثيراتها المحتملة على أمنها الداخلي والخارجي. والسؤال الأهم الذي هو واجب الوقت هل تملك إرتريا رؤية وإرادة سياسية وكوادر على استغلال الحالة الراهنة، حالة الاضطرابات المستمرة على ضفتي البحر الأحمر، والتنافس بين القوى الخارجية على النفوذ السياسي والعسكري والتجاري، خاصة في ضوء الخلافات التي طرأت مؤخراً بين دول الخليج، وهي قوى مؤثرة في المنطقة، وانشغال أمريكا وأوروبا في قضايا أوسع نطاقا وأخطر تأثيرا فققد ينفجر الوضع الدولي برمته؟.

ـــــــــــــــــــــــ

(1) https://www.cidob.org/en/publications/scramble

(2) https://www.inss.org.il/publication/red-sea/

(3) https://mogadishucenter.com/2024/04/

(4) https://www.barathacenter.com/arabic/7mwwluzM

(5) https://bti-project.org/en/reports/country-report/ERI#pos9

(6) https://www.aljazeera.net/encyclopedia/

(7) https://www.bbc.com/arabic/business

(8) https://www.france24.com/ar/20170620

(9) https://files01.core.ac.uk/download/234690427.pdf

(10) نفس المصدر

(11) https://www.farajat.net/ar  

(12) https://shamscenter.com/

(13) https://www.noonpost.com/39867/

(14) .( https://wazema.substack.com/p/another-looming-war-in-the-horn-of

(15) https://jcfa.org/the-broken-horn-geopolitical 

(16) https://setit.org/why-is-the-united

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *