Product Feature LinkedIn Single Image Ad in Gold Aspirational Elegance Style

الشرق الأوسط على شفير الانفجار: من طوفان الأقصى إلى المواجهة المفتوحة مع إيران

بقلم/ الأستاذ إبرهم قار

الملخص التنفيذي:

ينطلق هذا التحليل من فرضية مركزية مفادها أن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد حصراً بنتيجة المواجهة بين إيران وإسرائيل، بل بقدرة القوى العربية والإقليمية الكبرى على كسر الثنائية الصراعية التي تحاول فرض نفسها على الإقليم، وبناء مسار استراتيجي مستقل ينبع من الداخل. تشكل عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وما تبعها من حرب مدمرة على قطاع غزة، نقطة تحوّل استراتيجية كشفت هشاشة المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط، وأعادت الصراع إلى مركز الجغرافيا السياسية الإقليمية.

لم تعد المواجهة محصورة في الإطار الفلسطيني–الإسرائيلي التقليدي، بل تحولت إلى أزمة مركّبة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية مع مصالح القوى الدولية الكبرى. ومع اتساع رقعة التوتر بين إسرائيل وإيران عبر جبهات متعددة، بات الشرق الأوسط أقرب إلى لحظة إعادة تشكيل لتوازناته الاستراتيجية.

غير أن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه بوصفه حدثاً منفصلاً، بل هو امتداد لمسار جيوسياسي بدأ مع غزو العراق عام 2003 الذي أدى إلى تفكيك أحد مراكز التوازن في النظام الإقليمي وفتح المجال لتوسع النفوذ الإيراني وصعود فواعل مسلحة عابرة للحدود أعادت رسم خرائط النفوذ والسيطرة في عدة ساحات.

في هذا السياق تقف المنطقة اليوم أمام مفترق حاد بين مسارين متناقضين: استمرار منطق الاستنزاف المفتوح الذي يحول الإقليم إلى ساحة صراع دائم بين مشاريع متنافسة، أو استثمار اللحظة التاريخية لبناء توازن إقليمي جديد أكثر استقراراً وعدلاً، إذا تمكنت العواصم العربية المركزية من التحرر من منطق الاصطفاف القسري والتحرك نحو صياغة مشروع إقليمي مستقل.

معضلة النفوذ الجيوسياسي: كيف صنعت إسرائيل طوقها بيدها؟ 

برزت داخل إسرائيل قراءة متزايدة ترى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في البرنامج النووي الإيراني وحده، بل في شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر عدة جبهات. تمتد هذه الشبكة من لبنان، حيث يسيطر حزب الله، مروراً بسوريا والعراق، وصولاً إلى اليمن حيث يلعب “الحوثي” دوراً في تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر، فيما تعتبره إسرائيل “طوقاً جيوسياسياً” يقيد قدرتها على الردع ويحوّل محيطها إلى فضاء تهديد مستمر. من هذا المنظور، اعتمدت إسرائيل سياسة هجومية استباقية تستهدف مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر وجودي مباشر، عبر ضربات دورية لمواقع إيرانية أو حليفة في سوريا، وعمليات اغتيال نوعية لقيادات في الحرس الثوري أو حلفائه. 

لكن القراءة الواقعية توضّح أن جزءاً كبيراً من هذا النفوذ الإقليمي لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة مباشرة للسياسات الإسرائيلية التوسعية. الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية، التوسع المنهجي في المستوطنات، العمليات العسكرية المتكررة، والحصار الشامل على غزة، كلها عوامل خلقت بيئة خصبة لنمو المقاومة المحلية وتعزيز النفوذ الإيراني وحلفائه في المنطقة. بمعنى آخر، إسرائيل ليست مجرد ضحية للطوق الإيراني، بل طرف فاعل ساهم في إعادة رسم موازين القوة الإقليمية لصالح خصومها. 

يزيد من تعقيد الأزمة أن المنطق الإسرائيلي القائم على “الضربة الاستباقية” يركز على البعد العسكري والأمني، متجاهلاً أن سياسات الاحتلال والتوسع السياسي والاقتصادي تثير ردود فعل متسلسلة، فتؤدي إلى دورة تصعيد طويلة بدلاً من احتوائها. هذه الضربات قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنها في الوقت نفسه تعزز شرعية المقاومة، توسع شبكة النفوذ الإيراني، وتفاقم معاناة المدنيين، مما يزيد من الاستقطاب ويصعّب الحلول السياسية على المدى الطويل. هكذا تُصنع بيئة اللا استقرار، لا الأمن. 

الواقع الاستراتيجي يكشف تناقضاً جوهرياً: إسرائيل تسعى لتفادي الحصار الاستراتيجي، لكنها عبر سياساتها التوسعية تعزز هذا الحصار وتوسع رقعة الصراع، مما يجعل الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة احتمالاً متزايداً، لا مجرد تهديد نظري. وهنا يتجلى أن الفاعلية الحقيقية في السياسة لا تكمن في الضربات الاستباقية وحدها، بل في القدرة على ضبط الحسابات الاستراتيجية، وإدراك أن الاحتلال والسياسات التوسعية ليست أدوات حماية، بل عوامل تزيد هشاشة الردع الإسرائيلي على المدى الطويل، بما في ذلك انعكاساتها المباشرة على المسار الفلسطيني ومستقبل قضيته. 

الدور الأمريكي في الأزمة: دعم بلا سقف أم حسابات مقيّدة؟ 

تبدو السياسة الأمريكية محكومة بتوازن دقيق بين دعم إسرائيل ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. الولايات المتحدة تدرك أن مواجهة مفتوحة مع إيران قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وتفتح جبهة صراع طويلة لا تخدم أولوياتها الاستراتيجية في ظل المنافسة المتصاعدة مع الصين وعودة روسيا إلى الساحة الدولية كلاعبين رئيسيين. لذلك تحاول واشنطن إدارة الصراع بطريقة تقلص النفوذ الإيراني دون الانخراط المباشر في حرب واسعة، عبر مزيج من الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، والرسائل الردعية لطهران، والضغط الدبلوماسي لكبح التصعيد على الجبهات الأخرى. 

لكن هذا التوازن شديد الهشاشة؛ فأي تصعيد ميداني خارج الضوابط المتفق عليها ضمنياً قد يفرض على واشنطن الانخراط بشكل أعمق مما تخطط له، سواء عبر حماية خطوط الملاحة والطاقة أو عبر الدفاع المباشر عن حلفائها. عند هذه النقطة، تصبح الولايات المتحدة نفسها بحاجة إلى “تبريد اضطراري” للصراع، تديره برعاية تفاهمات جزئية، لا انطلاقاً من رؤية شاملة، ما يترك للإقليم هامشاً نادراً لفرض أولوياته الخاصة إذا امتلك الإرادة والقدرة. 

استراتيجية طهران: حين يتحول الردع إلى استعداء للجوار: 

في خضم المواجهة الدائرة حالياً، تعتمد القيادة الإيرانية استراتيجية تقوم على “توسيع مسرح الصراع” ورفع كلفة المواجهة عبر أدوات غير تقليدية، انطلاقاً من إدراكها لرجحان كفة القوة التقليدية والتقنية لصالح التحالف الأمريكي–الإسرائيلي. يتجسد ذلك في تنشيط جبهات متعددة عبر وكلاء في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بهدف نقل المواجهة من داخل إيران إلى محيط إسرائيل وحلفائها. 

غير أن هذه المقاربة تواجه اليوم اختباراً ميدانياً ونقداً استراتيجياً حاداً يرى فيها “استراتيجية ارتدادية”؛ حيث باتت طهران هي الخاسر الأكبر من استعداء محيطها الجغرافي في لحظة تتطلب أقصى درجات التكتل الإقليمي. فبدلاً من تركيز جهودها وقدراتها العسكرية والسياسية لمواجهة خصومها الحقيقيين في واشنطن وتل أبيب الذين يستهدفون عمقها الأمني والعسكري مباشرة، انزلقت في كثير من الأحيان نحو استهداف مصالح دول الإقليم وتوتير جبهات جانبية، من ضرب ناقلات ومنشآت نفطية، إلى استهداف أراضٍ أو مصالح خليجية أو إقليمية. 

هذا السلوك لم يخدم سوى أعدائها الفعليين، الذين استثمروا في حالة “التوجس الإقليمي” لتبرير حضورهم العسكري المكثف وبناء تحالفات دفاعية جديدة كانت دول المنطقة في غنى عنها. المنطق الذي يربط “التهديد الوجودي لإيران” بتهديد “المصالح الحيوية للجيران” أثبت فشله في اختبار الحرب الجارية؛ فهو لا يؤدي إلا إلى دفع دول المنطقة نحو خيارات أمنية اضطرارية، ويعزز من ذريعة التدخل الخارجي التي تدعي طهران محاربتها. 

بوصلة الردع الإيراني، لكي تكون فعالة ومستدامة، يجب أن تستعيد وجهتها الحقيقية نحو “الخصم الاستراتيجي” مباشرة، مدركةً أن أمن طهران القومي يمر عبر كسب ثقة “الجوار” وتأمين المصالح المشتركة، وليس عبر تحويل العواصم العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات أو أوراق مقايضة في صراعها مع الغرب. الردع الحقيقي يبدأ من الجوار، لا من حرق الجسور معه. 

وعي عربي متقدم: رفض الوقوع في فخ المواجهة بالإنابة:  

في المقابل أظهرت العواصم العربية والإقليمية وعياً استراتيجياً متقدماً برفضها المطلق الانجرار إلى مربع “المواجهة بالإنابة”. ورغم الضربات والضغوط والتهديدات التي تلقتها بعض هذه الدول من الجانب الإيراني أو وكلائه خلال مراحل التصعيد المختلفة، إلا أنها أدركت بوضوح أن الوقوع في هذا الفخ لا يخدم سوى مشاريع التفتيت الإقليمي. لذا نأت هذه الدول بنفسها عن أن تكون وقوداً لحرب مدمرة ليست حربها، وتمسكت بمسار “الدبلوماسية الوقائية” وخفض التصعيد، مطالبةً طهران بضرورة الفصل الحاسم بين صراعها الوجودي مع إسرائيل وأمريكا، وبين علاقاتها مع محيطها الإسلامي والعربي الذي يمثل عمقها الاستراتيجي والحيوي الوحيد في مواجهة العزلة الدولية.  بالنسبة للعواصم العربية لا يتعلق الأمر فقط بتجنب الحرب، بل بتفادي أن تُكتب خرائط الإقليم من جديد في غيابها عن الطاولة. من هنا تبدأ ملامح “المشروع الثالث” الذي سيعود إليه المقال في ختامه عند الحديث عن الثقل الثلاثي العربي–الإقليمي. 

أمن الخليج: الممرات البحرية رهائن صراع الآخرين: 

هذا الاحتمال يفسّر القلق المتصاعد في العواصم العربية، وخصوصاً في دول الخليج. فالدولتان الأكثر انخراطاً في إدارة توازنات الإقليم، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، تدركان أن أي مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل لن تبقى صراعاً ثنائياً، بل قد تتحول بسرعة إلى أزمة أمن إقليمي تمس مصالحهما الحيوية بشكل مباشر. بنية الاقتصاد الخليجي تقوم أساساً على شرط الاستقرار الإقليمي واستمرار تدفق الطاقة والتجارة عبر الممرات البحرية. لذلك فإن اتساع الحرب يحمل احتمال تحويل هذه الممرات نفسها إلى ساحات ضغط أو أهداف ضمن معادلة الردع المتبادل، كما ظهر في تهديدات واستهدافات متقطعة لسفن في البحر الأحمر أو قرب مضيق هرمز، وهو سيناريو يهدد الأساس الجيو – اقتصادي الذي قامت عليه منظومة الأمن في الخليج خلال العقود الأخيرة. 

ولا يقتصر القلق هنا على الحسابات الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي العالمي للصراع. فالممرات البحرية في الشرق الأوسط ليست مجرد طرق نقل إقليمية، بل شرايين حيوية للاقتصاد الدولي. يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وأي اضطراب في هذا الممر، أو في الممرات المرتبطة به مثل مضيق باب المندب وقناة السويس، لا يعني فقط ارتفاعاً في أسعار الطاقة، بل احتمال حدوث صدمة واسعة في سلاسل الإمداد العالمية بسبب ارتفاع كلفة التأمين، وتحويل مسارات الشحن، وإطالة زمن الرحلات البحرية. هذه العقد البحرية تشكّل معاً منظومة جيو–اقتصادية شديدة الحساسية، ما يجعل أي حرب إقليمية في الشرق الأوسط تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي العالمي، وليس مجرد أزمة أمنية محصورة في حدودالمنطقة. 


الضفة  الإفريقية : هندسة “الفوضى الوظيفية” وتفكيك الدولة الوطنية

يتجلى التهديد البحري بوضوح في الضفة الأفريقية، حيث يُعاد تموضع الصراع خارج حدوده التقليدية. لا يتوقف الامتداد الجيوسياسي للحرب عند حدود المشرق العربي، بل يتجاوزها ليعيد تفعيل فضاء جغرافي ظل لعقود يُدار بوصفه هامشاً تابعاً: القرن الإفريقي والضفة المقابلة للبحر الأحمر. هذا التحول ليس استجابة ظرفية، بل جزء من تراكم استراتيجي ممتد، حيث تراجعت مركزية الشرق الأوسط التقليدي لصالح فضاءات بديلة تُعاد هندستها كمجالات نفوذ مرنة وأقل كلفة.

في هذا الإطار، يتحول البحر الأحمر من مجرد ممر ملاحي إلى “محور صراع ممتد”، تتقاطع فيه حسابات الأمن البحري مع إعادة تشكيل البنى السياسية للدول المطلة عليه. وضمن هذا التحول، يبرز نمط تدخل متدرج تقوده قوى إقليمية، في مقدمتها إسرائيل والإمارات، لا يقوم على الاحتلال المباشر بل على إعادة تشكيل المجال الإقليمي عبر تفكيك الدولة الوطنية وإعادة تركيبها في صورة “شبكات نفوذ”. يتجلى ذلك في السيطرة غير المباشرة على الموانئ، ودعم كيانات شبه دولة، وربط الاقتصاد بالبنية الأمنية؛ النتيجة ليست إسقاط الدول بقدر ما هي إضعافها وإعادة تعريفها كوحدات قابلة للاختراق والتوظيف.

الحرب على إيران تعمل هنا كمسرّع؛ فمع اتساع المواجهة، تتجه القوى المتصارعة لنقل الضغط خارج مسرح العمليات المباشر، ليصبح القرن الإفريقي امتداداً وظيفياً للصراع عبر تفعيل بيئات النزاع الهشة. هنا يكتسب السودان أهمية خاصة كنقطة تقاطع بين العمق الإفريقي والمجال العربي والواجهة البحرية؛ وما يجري داخله يتجاوز الصراع المحلي ليعكس تنافساً على السيطرة على هذه العقدة الاستراتيجية. وبالمثل، تحاول إريتريا توظيف موقعها لإدارة توازنات دقيقة بين القوى المتنافسة. بهذا المعنى، تصبح أفريقيا جزءاً من بنية الحرب، حيث تُدار “فوضى منضبطة” تضمن استمرار النفوذ الخارجي بأقل تكلفة، مما يجعل القرن الإفريقي أحد مفاتيح فهم إعادة تشكيل التوازنات من الخليج إلى السواحل الإفريقية.

دور تركيا ومصر: كوابح بنيوية داخل النظام الإقليمي: 

ضمن هذه المعادلة المعقدة، يبرز أيضاً الدور المحوري لكل من تركيا ومصر بوصفهما عاملَي توازن داخل النظام الإقليمي. فأنقرة، بقدراتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي وعلاقاتها البراغماتية مع أطراف متناقضة في الصراع، تمتلك هامش حركة يسمح لها بلعب دور الوسيط أو الموازن، من الانخراط في ترتيبات أمنية في البحر الأسود وشرق المتوسط، إلى الوساطة في ملفات غزة أو تبادل الأسرى. في المقابل، تحتفظ القاهرة بثقل جغرافي وسياسي خاص، يرتبط بموقعها الاستراتيجي على بوابة قناة السويس، وإدارتها لملفات إقليمية حساسة وعلى رأسها القضية الفلسطينية والحدود مع غزة. 

وجود هاتين الدولتين داخل معادلة الإقليم يخلق ما يمكن وصفه بـ”كوابح بنيوية” تمنع الانهيار الكامل للنظام الإقليمي، وتحد من قدرة أية قوة منفردة على فرض هندسة جيوسياسية جديدة للشرق الأوسط دون توافق أوسع داخل المنطقة. ولأن مصالحهما تتطلب استقرارًا لا هيمنة أحادية، فإن تموضعهما في لحظة الانفجار أو التبريد سيكون عاملاً حاسماً في اتجاه البوصلة الإقليمية. 

بهذا المعنى، لا يُفهم القلق الخليجي ولا الحذر الإقليمي من الحرب الجارية فقط بوصفه رد فعل على خطر عسكري مباشر، بل باعتباره إدراكاً متزايداً بأن اتساع الصراع قد يعيد تشكيل توازنات الطاقة والتجارة والأمن في المنطقة، وأن أي انفجار غير مضبوط قد يجر الشرق الأوسط – ومعه الاقتصاد العالمي والقضية الفلسطينية – إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها. 

وهم إعادة تشكيل الشرق الأوسط: 

لا تقتصر المخاوف العربية على خطر الحرب نفسها، بل تمتد إلى ما قد يترتب عليها من تحولات جيوسياسية أعمق. ظهرت فرضية ترى أن الحرب على إيران قد تكون جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بحيث تتحول إسرائيل إلى القوة المركزية في النظام الإقليمي الجديد، وتُدفع الدول العربية إلى الاصطفاف تحت مظلتها الأمنية والاقتصادية. غير أن التقييم الاستراتيجي الأكثر توازناً يشير إلى أن الواقع أكثر تعقيدًا من فكرة وجود خطة مركزية مكتملة لإعادة هندسة المنطقة. ما يجري في الحقيقة هو محاولة أمريكية لإعادة ضبط ميزان القوة بعد التوسع الإيراني خلال العقدين الماضيين، ضمن صراع مفتوح تتداخل فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية، بقدر ما تعكس حسابات طهران وتل أبيب ذاتها. 

كشفت التجربة التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق بوضوح أن قدرة أية قوة خارجية على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصميم مسبق تبقى محدودة للغاية. إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في المسارات الجيوسياسية التي تلي ذلك، ولا في صعود الفواعل المسلحة من غير الدول التي تعيد بدورها رسم خرائط النفوذ. ما يبدو أحيانًا كمشروع استراتيجي متكامل قد يكون في الواقع نتيجة تفاعل معقد بين قرارات متفرقة وصراعات متداخلة بين قوى متعددة، أكثر منه تنفيذاً لخطة هندسة شاملة. من يراهن على “خريطة جاهزة” للشرق الأوسط، يغامر بتكرار أخطاء 2003 بثمن أعلى. 

شبح انهيار إيران: فوضى لا يريدها حتى خصومها: 

يبقى احتمال انهيار الدولة الإيرانية أحد أخطر السيناريوهات التي تخشاها كثير من العواصم الإقليمية. إيران دولة كبيرة متعددة القوميات والأقاليم، وأي انهيار مفاجئ في بنيتها المركزية قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية طويلة تؤدي إلى تفكك جغرافي واسع. مثل هذا السيناريو لن يقتصر تأثيره على الداخل الإيراني، بل قد يطلق موجة عدم استقرار تمتد إلى كامل المنطقة، مع صعود فاعلين مسلحين متنازعين على فراغ السلطة وحدود سائبة عبر الإقليم، من القوقاز وآسيا الوسطى إلى الخليج والعراق. 

لهذا السبب تنظر دول مثل مصر وتركيا إضافة إلى دول الخليج بقلق إلى أي مسار قد يقود تفكيك إيران. هذه الدول قد تختلف سياسيًا مع طهران، لكنها تدرك أن انهيار دولة بحجم إيران سيخلق فراغًا استراتيجيًّا هائلاً قد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بطريقة يصعب السيطرة عليها، ويضاعف من أخطار الهجرة، والتسلح المنفلت، وتحوّل الجوار الإيراني برمته إلى “حزام فوضى” ملاصق لحدودها. باختصار، انهيار إيران ليس مكسبًا مجانيًّا لخصومها، بل وصفة لانفجار إقليمي لا يملك أحد ترف التحكم بمساراته. 

القوى الكبرى: تنافس دولي يعقّد معادلات الصراع: 

في الخلفية يقف عامل دولي لا يقل أهمية. الشرق الأوسط أصبح جزءًا من التنافس بين القوى الكبرى، وأي تغيير جذري في توازناته سيصطدم بمصالح دول مثل الصين وروسيا. الصين تنظر إلى المنطقة بوصفها عقدة مركزية في مشروع “الحزام والطريق” الذي يعتمد على استقرار طرق التجارة والطاقة، من الموانئ على المتوسط إلى الممرات في المحيط الهندي. بينما ترى روسيا في وجودها العسكري في سوريا ركنًا أساسيًّا من حضورها الاستراتيجي في شرق المتوسط، ومنصة للتأثير في ملفات الطاقة والأمن معًا. 

هذا التداخل بين الحسابات الإقليمية والدولية يجعل أية محاولة لإعادة تشكيل المنطقة عملية معقدة لا يمكن لقوة واحدة أن تفرضها بمفردها. كما أنه يضاعف أهمية سيناريوهات “التبريد الاضطراري” التي قد تُصاغ برعاية دولية مشتركة، تعكس حاجة واشنطن وبكين وموسكو إلى منع انفجار شامل يهدد المصالح المتشابكة لهذه القوى. في هذه اللحظة، قد يجد الإقليم نفسه أمام مفارقة: كلما تعاظم التنافس الدولي عليه، زادت الحاجة إلى مبادرة إقليمية مستقلة تمنع تحوّله إلى ساحة مستباحة لحروب الآخرين. 

مسارات المستقبل:

الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة في الشرق الأوسط لا يسير وفق خط بياني مستقيم، بل يتوزع على ثلاث مسارات استراتيجية كبرى، يمثل كل منها انعطافة جذرية في تاريخ المنطقة وتوازناتها الدولية، وينعكس بصورة مباشرة على مستقبل الصراع العربي–الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ذاتها: 

1. سيناريو “الاستنزاف المحكوم” (الديناميكية الصفرية

يقوم هذا المسار على استمرار الضربات المتبادلة والحروب السيبرانية والاغتيالات النوعية، لكن مع البقاء بدقة تحت “سقف الحرب الشاملة”. يسعى كل طرف في هذا السيناريو لإنهاك الخصم وتفكيك بيئته الحاضنة دون كسر قواعد الاشتباك الكبرى التي قد تستدعي تدخلاً أمريكيًّا مباشرًا. خطورة هذا المسار تكمن في كونه “حربًا بلا نهاية”، حيث تتحول المنطقة إلى ساحة دائمة للتجارب العسكرية وتفعيل وكلاء متعددين في لبنان وسوريا وغزة واليمن، مما يستنزف الموارد الاقتصادية لدول الإقليم ويجعل حالة “اللا حرب واللا سلم” هي القدر المهيمن. 

بالنسبة للقضية الفلسطينية، يعني هذا السيناريو استمرار إدارة الأزمات المتكررة: جولات تصعيد، هدن مؤقتة، إعادة إعمار جزئي، من دون أفق تسوية سياسية حقيقية أو معالجة جذور الاحتلال والحصار. إنّه تجميد للصراع في حالة نزيف دائم. 

  • سيناريو “كسر العظم” (الانفجار الجيوسياسي العظيم) 

2. سيناريو “كسر العظم” (الانفجار الجيوسياسي العظيم) 

وهو السيناريو الأكثر راديكالية، حيث يتم تجاوز كافة “الخطوط الحمراء” عبر استهداف المنشآت الحيوية الكبرى؛ كالمفاعلات النووية الإيرانية أو مصافي النفط الاستراتيجية وخطوط الملاحة الدولية. هذا المسار يعني عمليًّا الدخول في حرب إقليمية واسعة النطاق تتجاوز حدود إسرائيل وإيران لتشمل الجغرافيا السياسية للمنطقة بأكملها. في هذا السيناريو، لن يقتصر الصراع على القدرات العسكرية، بل سيؤدي إلى انهيارات اقتصادية عالمية وهجرات جماعية، وقد ينتهي بإعادة رسم خرائط النفوذ والحدود في الشرق الأوسط بطريقة قسرية لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو بالقوى التي ستخرج منتصرة من حطامها. 

على المستوى الفلسطيني، يهدد هذا المسار بتهميش أي مشروع سياسي لصالح معادلات أمنية صِرفة تدار فوق الأنقاض، حيث تصبح الأولوية لوقف النار وتأمين الممرات لا لبحث الحقوق والحدود والدولة. في حروب كسر العظم، تضيع الأصوات الأضعف أولاً. 

    3. سيناريو “التبريد الاضطراري” (واقعية الضرورة): 

    يفترض هذا المسار وصول الأطراف المتصارعة إلى حالة من “الإنهاك المتبادل”، حيث يدرك الجميع أن تكلفة الاستمرار في التصعيد باتت تهدد بقاء الأنظمة واستقرار المجتمعات. يتبلور هذا السيناريو عبر تفاهمات مؤقتة برعاية دولية (أمريكية–صينية–روسية) تهدف إلى احتواء التصعيد مقابل تنازلات سياسية متبادلة، مثل تبريد الجبهات في لبنان واليمن وسوريا وغزة مقابل تخفيف العقوبات أو صياغة ترتيبات أمنية جديدة. 

    هو سيناريو “التقاط الأنفاس”، الذي لا ينهي الصراع جذريًّا، لكنه ينقل المواجهة من الميدان العسكري إلى أروقة الدبلوماسية الوعرة، مانحًا دول الإقليم – وفي القلب منها الفاعل الفلسطيني – فرصة تاريخية لمحاولة فرض أجندتها الخاصة بعيدًا عن صخب المدافع. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار مستدام يتوقف على وجود مشروع إقليمي واضح، لا على مجرد استغلال فراغات مؤقتة بين جولة وأخرى. 

    حافة الانفجار: الثقل الثلاثي ومشروع الاستقرار الثالث: 

    في المحصلة يتجاوز الصراع الراهن مجرد المعارك الميدانية والحسابات الأمنية الضيقة؛ فهو مخاض جيوسياسي عنيف لنظام إقليمي متهالك يرفض الرضوخ لثنائية قطبية مفروضة. والسؤال الحاسم اليوم ليس: أيهما يهيمن، المشروع الأمني الإسرائيلي أم النفوذ الإيراني المتجذر؟ بل: هل تدرك القوى المركزية في العالمين العربي والإسلامي مسؤوليتها التاريخية عن استقرار الإقليم ومصالح شعوبه وقضيته المركزية، أم تترك مستقبل المنطقة رهينة صراع صفري بين مشروعين يفتقران إلى شرعية إقليمية شاملة؟

    هنا تبرز المسؤولية الاستراتيجية لما يمكن تسميته بــ “الثقل الثلاثي”: المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا. هذه الدول تمثل صمام أمان وكتلة موازنة قادرة على كسر منطق الاستقطاب الإجباري، وصياغة مشروع استقرار ثالث يتجاوز طموحات التوسع الإيراني والجموح الأمني الإسرائيلي. فالسعودية تمتلك ثقلًا روحيًّا واقتصاديًّا يجعلها مرجعية في قضايا العالمين العربي والإسلامي، وقدرة على قيادة مبادرات اقتصادية إقليمية كبرى في مجالات الربط التجاري والاستثماري، بما يخلق مصالح متبادلة تقلل من جاذبية الصراع. ومصر تمتلك عمقًا جغرافيًّا وتاريخيًّا متصلاً بقلب المشرق والقضية الفلسطينية، وتضطلع بدور محوري في استقرار الملاحة الدولية عبر قناة السويس، إلى جانب خبرتها في الوساطة بأزمات مثل غزة وليبيا. أما تركيا فتضيف وزنًا عسكريًّا وجيوسياسيًّا وقدرة على التحرك بين عواصم متخاصمة، بما يمكّنها من تسهيل الحوارات وتقريب وجهات النظر في بؤر التوتر كسوريا والعراق وشرق المتوسط.

    يمتلك هذا الثقل الثلاثي القدرة على فرض معادلة توازن تمنع تحويل المنطقة إلى ملعب خلفي لصراعات الآخرين، وتحصّن الهوية الجيوسياسية للشرق الأوسط من التفكك التدريجي. عمليًّا، يمكن لهذه الكتلة أن تعمل على تفعيل دبلوماسية وقائية عبر آليات تشاور وتنسيق دائمة لمعالجة بؤر التوتر قبل انفجارها، كما في اليمن والسودان، وأن تبلور منظومة أمن إقليمي تستند إلى التعاون في مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات المائية الحيوية وتبادل المعلومات، بما يقلل الحاجة إلى المظلات الخارجية. كما يمكنها دفع مسار التكامل الاقتصادي عبر مشاريع تنموية مشتركة ومناطق اقتصادية خاصة تسهم في خلق مصالح عابرة للحدود، إلى جانب توحيد الجهد لدعم حل عادل للقضية الفلسطينية يقوم على إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، بما ينزع فتيل أحد أعمق مصادر عدم الاستقرار في الإقليم.

    بالنسبة لصانع القرار العربي، لم يعد السؤال: أي معسكر سينتصر؟ بل: هل يمتلك الجرأة على بناء معسكر ثالث؟ فشرق أوسط يولد من رحم هذه المعاناة هو ذلك الذي يرفض “القدر المحتوم” للصدام الإيراني–الإسرائيلي، ويستبدله بنظام إقليمي متعدد الأقطاب ينبع من الداخل. في هذا الإطار، لا تُقاس القوة بحجم الترسانات أو كثافة الضربات الاستباقية، بل بقدرة القوى العربية والإقليمية المحورية على صياغة مشروع سياسي واقتصادي مستقل يحمي السيادة الوطنية، ويضع حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية في مركزه، ويحد من هيمنة أي طرف إقليمي أو دولي.

    القدرة على إدارة الصراع وتفادي فخ الاستنزاف، وصياغة معادلة توازن استراتيجي داخل الإقليم، هي التي ستحدد في النهاية شكل الغد: إما شرق أوسط متوازن يحترم إرادة شعوبه ويصون قضاياه المركزية، وإما فوضى ممتدة تعيد رسم الخرائط وتدمّر المؤسسات بلا استثناء. في النهاية، من لا يشارك في رسم خريطة الإقليم، سيجد نفسه حتمًا جزءًا من هامشها.

    المراجع:[1] تهديدات ممري باب المندب وهرمز.. العالم على أبواب صدمة نفطية – الجزيرة نت

    [2] الحرب تهزّ أسواق الطاقة… والنفط إلى 80 دولاراً – النهار

    [3] الصراع الإقليمي أشعل مخاوف التضخم العالمي ومسار النمو – عين عدن

    [4] كوابيس اقتصادية تلاحق العالم: فاتورة الحرب المرتقبة في الشرق الأوسط – القدس العربي

    لا تعليق

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *