الانتخابات الإثيوبية قبل أسبوعين من الاقتراع.. تصاعد اتهامات وتحركات لاحتواء المخاوف
بقلم الأستاذ/ عمر أبو رهف
تدخل إثيوبيا مرحلة حاسمة قبل أقل من أسبوعين على موعد الانتخابات العامة السابعة المقررة في الأول من يونيو 2026، وسط تصاعد الجدل بشأن نزاهة العملية الانتخابية، وتزايد اتهامات المعارضة بوجود تضييقيات ومخالفات قانونية، في مقابل تأكيدات رسمية بأن الاستعدادات تجري بصورة طبيعية وأن البيئة الانتخابية لا تزال “مواتية” لإجراء اقتراع سلمي ومنظم.
وتكشف التصريحات والبيانات الصادرة خلال الأيام الماضية من الأحزاب السياسية والمجلس الوطني للانتخابات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأمنية والدينية، عن سباق محموم لاحتواء التوترات السياسية ومنع انزلاق العملية الانتخابية إلى أزمة شرعية قد تلقي بظلالها على مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.
اتهامات المعارضة.. التشكيك في تكافؤ الفرص
في أبرز التطورات السياسية، صعّد حزب مواطنون إثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية، أحد أكبر أحزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات، من انتقاداته للسلطات، متهماً جهات رسمية باستبعاد مرشحيه في إقليم هراري على أسس عرقية، واعتقال عدد من أعضائه ومرشحيه في إقليم جنوب إثيوبيا.
واعتبر الحزب أن اشتراط الانتماء العرقي للترشح لعضوية الجمعية الوطنية في إقليم هرر يمثل “تمييزاً سياسياً ودستورياً”، مؤكداً أن استبعاد مرشحيه يعكس استمرار هيمنة النظام الفيدرالي العرقي على الحياة السياسية الإثيوبية.
كما اتهم الحزب قوات الأمن بالانحياز لصالح حزب الازدهار، عبر اعتقالات ومضايقات استهدفت مرشحي المعارضة ومنسقيها في عدة مناطق، بينها غامو وكوري وداورو وأربا مينش بجنوب البلاد، فضلاً عن اتهامات بالضغط على الموظفين والمعلمين لدعم الحزب الحاكم ” الازدهار” الذي يتزعمه رئيس الوزراء آبي أحمد.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة في توقيتها، إذ تأتي بينما تدخل الحملات الانتخابية مرحلتها النهائية، ما يعزز المخاوف من تأثير التدخلات الإدارية والأمنية على تكافؤ الفرص بين القوى السياسية المتنافسة.
تحذيرات لجنة الانتخابات.. مؤشرات قلق رسمي
في المقابل، بدا أن المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا يحاول الموازنة بين طمأنة الرأي العام وإظهار قدر من الحزم تجاه المخالفات الانتخابية، ففي وقت أكد فيه المجلس أن الاستعدادات تتقدم “بخطى ثابتة” وأن التقييمات الميدانية تشير إلى توفر بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات في معظم أنحاء البلاد، حذر في الوقت نفسه من إمكانية تعليق أو إلغاء التصويت في بعض الدوائر إذا استمرت ممارسات الإكراه والتسجيل غير القانوني للناخبين.
وكشف المجلس عن تلقيه تقارير تتعلق بحملات حشد غير قانونية، وربط الحصول على الخدمات العامة أو الرواتب بالتسجيل الانتخابي، وهي مؤشرات تعكس وجود قلق رسمي متزايد من تأثير الانتهاكات المحلية على مصداقية الانتخابات.
وفي هذا السياق، أشاد حزب إيزيما، ضمن بيانه الأخير، بدور المجلس في التدخل للإفراج عن بعض المرشحين المعتقلين، لكنه طالب المؤسسة الانتخابية بالانتقال من مرحلة “إصدار التنبيهات” إلى مرحلة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة التي تواجهها اللجنة للحفاظ على صورتها كمؤسسة مستقلة.
رسائل التهدئة الرسمية.. توسيع الفضاء السياسي
في مقابل خطاب المعارضة، سعت جهات رسمية وسياسية مقربة من الدولة إلى تقديم صورة أكثر تفاؤلاً بشأن المناخ الانتخابي، وأكد رئيس المجلس المشترك للأحزاب السياسية في أديس أبابا، مارو جاني، أن الفضاء السياسي في إثيوبيا أصبح أكثر انفتاحاً مقارنة بانتخابات 2021، مشيراً إلى ارتفاع معدلات تسجيل الناخبين واتساع مشاركة المواطنين والأحزاب في العملية الانتخابية.
وبحسب البيانات الرسمية، تجاوز عدد المسجلين للمشاركة في الانتخابات 50.5 مليون ناخب، بينهم أكثر من 5.5 مليون سجلوا عبر منصة “ميرتشايي” الرقمية، وهو ما تحاول الحكومة تقديمه كمؤشر على اتساع المشاركة السياسية وتطور البنية الإدارية للعملية الانتخابية.
غير أن المعارضة ترى أن ارتفاع أعداد المسجلين لا يعكس بالضرورة وجود بيئة تنافسية عادلة، في ظل استمرار الشكاوى من الترهيب والتضييق الإداري والأمني في بعض الأقاليم.
المجتمع المدني يدخل على خط الأزمة
بدوره، حاول مجلس منظمات المجتمع المدني الإثيوبي لعب دور الوسيط الداعم لنزاهة العملية الانتخابية، من خلال تكثيف حملات التوعية المدنية ومراقبة الانتخابات بالتنسيق مع لجنة الانتخابات.
وأعلن المجلس عن إطلاق آلية جديدة لمتابعة الوعود الانتخابية للأحزاب السياسية، في خطوة تهدف إلى تعزيز المساءلة السياسية ورفع مستوى وعي الناخبين، كما شدد المدير التنفيذي للمجلس، جيتنيت كابا، على أهمية حياد المؤسسات وتوفير معلومات موثوقة لبناء الثقة العامة في الانتخابات، في إقرار ضمني بحساسية المرحلة الحالية وضرورة الحد من حالة الاستقطاب السياسي.
البعد الأمني والديني.. استباق أي اضطرابات محتملة
وفي مؤشر على المخاوف المرتبطة بالاستقرار الأمني خلال فترة الاقتراع، وقّعت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية مذكرة تفاهم مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا لتعزيز التعاون في مجالات حفظ السلام ومنع النزاعات.
وتعكس هذه الخطوة إدراك السلطات لاحتمال تصاعد التوترات السياسية أو المجتمعية بالتزامن مع الانتخابات، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة التي تشهدها بعض الأقاليم، مثل أمهرا وأوروميا، إلى جانب استمرار الاستقطاب السياسي والعرقي.
أهمية التوقيت.. اختبار جديد لشرعية النظام
تأتي هذه التطورات بينما تسعى حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، إلى تقديم الانتخابات باعتبارها محطة تؤكد استمرار مسار “الإصلاح السياسي” الذي بدأ منذ 2018، غير أن تزايد اتهامات المعارضة يضع هذا المسار أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرة الدولة على تنظيم انتخابات تحظى بقبول سياسي واسع.
كما أن توقيت هذه التحذيرات والاتهامات يكتسب أهمية مضاعفة، لأن أي اضطرابات أو مقاطعة واسعة قد تؤثر على شرعية النتائج داخلياً، وتعيد فتح ملف الانتقادات الدولية المرتبطة بالحريات السياسية وحقوق المشاركة في إثيوبيا.
السيناريوهات المتوقعة للعملية الانتخابية
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو الانتخابات الإثيوبية مقبلة على عدة سيناريوهات محتملة:، تتراوح بين إجراء الانتخابات في موعدها مع فوز مريح للحزب الحاكم، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ظل سيطرة حزب الازدهار على مفاصل الدولة، وضعف تماسك المعارضة، واستمرار الدعم المؤسسي للعملية الانتخابية، وما بين سيناريو تعليق أو إلغاء التصويت في بعض الدوائر، وهو وهو احتمال وارد في المناطق التي تشهد اتهامات بالتضييق أو اضطرابات أمنية، خاصة بعد تحذيرات لجنة الانتخابات من إمكانية وقف التصويت في الدوائر المتأثرة بالمخالفات.
كما أن هناك سيناريو ليس ببعيد حدوثه ولو بدرجة أقل، وهو ربما تصاعد الاحتجاجات السياسية بعد إعلان النتائج، حيث يظل هذا السيناريو قائماً إذا شعرت أحزاب المعارضة بأن العملية الانتخابية لم تكن نزيهة أو أن الشكاوى المتعلقة بالترهيب والتلاعب لم تتم معالجتها بصورة جدية.
ومجمل القول، تكشف التطورات المتسارعة قبل أسبوعين من الانتخابات العامة في إثيوبيا عن مشهد سياسي بالغ الحساسية، يتداخل فيه التنافس الحزبي مع التعقيدات العرقية والأمنية والمؤسسية.، وعلى الرغم من تأكيدات السلطات بأن البلاد تسير نحو انتخابات سلمية ومنظمة، فإن تصاعد اتهامات المعارضة، وتحذيرات لجنة الانتخابات نفسها من المخالفات، يعكسان استمرار أزمة الثقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو قدرة الحكومة ولجنة الانتخابات على احتواء التوترات وضمان الحد الأدنى من التوافق السياسي عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الانتخابات ستشكل خطوة نحو الاستقرار وتعزيز الشرعية، أم أنها ستفتح الباب .


لا تعليق