الصومال على حافة الهاوية من جديد : أزمة موسم الانتخابات
بقلم الاستاذ عبد الرحمن حسن
دخل الصومال من جديد في مرحلة بالغة الهشاشة منذ الخامس عشر من مايو 2026، يوم انتهت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود من دون تحديد موعد للانتخابات لاختيار رئيس جديد للصومال، وبالرغم من أن هذه الإشكالية أصبحت ظاهرة متجددة في موسم الانتخابات، إلا أن تعامل حسن شيخ العنيف والمتصاعد ضد المعارضة أثار مخاوف داخلية وخارجية من احتمالية أن تنزلق البلاد مجدداً إلى دوامة العنف. وقد عكس هذا المشهد عن عمق التصدعات بين الفرقاء الصوماليين بسب تشابك خيوط الخلاف الدستوري، والاصطفافات العشائرية، والتأثيرات الجيوسياسية الخطيرة.
الأزمة الدستورية والشرخ السياسي الجديد
يعود جوهر الأزمة الدستورية إلى توقيع حسن شيخ محمود دستوراً اتحادياً معدَّلاً من غير توافق حقيقي مع حكام الولايات، حيث اقر الدستور الجديد أوالدائم ولاية مدتها خمس سنوات للمؤسسات الاتحادية، بدلاً من أربع سنوات بموجب الدستور المؤقت لعام 2012. واستناداً إلى ذلك، أعلن الرئيس حسن تمديد ولايته حتى مايو 2027، ما أثار عاصفة سياسية من قبل المعارضة وبعض حكام الولايات ضد اعتماد الدستور الدائم، وقد أكدت غير مرة أن الإطار الدستوري المؤقت للعام 2012 لا يزال الأساس القانوني الشرعي للحكموهم بذلك لا يعترفون بالدستور الجدي جملة وتفصيلا.
ولم تقتصر الأزمة على الجانب القانوني، بل امتدت إلى توظيف مؤسسات الدولة. اتهم قادة المعارضة الحكومة بتنفيذ عمليات تهجير قسري، وهدم منازل، واعتقالات غير قانونية للشباب، واستخدام الجيش والمؤسسات الأمنية في تحقيق الاهداف السياسية، وعليه شددت المعارضة على ضرورة أن يظل الجيش الوطني الصومالي مؤسسة وطنية محايدة، لا أداةً سياسية. وكانت لتصريحات وزير الدفاع الصومالي الحادة ضد المعارضة أصداء سياسية لدى المعارضة، حيث كشفت تلك التصريحات عن نيّة الحكومة في توظيف مؤسسات القوة الصلبة للدولة في تثبيت مواقفها والتصدي للمعارضة.
تحالفات المعارضة: معسكر منظّم في مواجهة السلطة
ولكن المعارضة لم تتلقَّ التحركات التي يقوم بها حسن شيخ وحكومته مكتوفة الأيدي؛ إذ أنها قامت بصياغة تكتلات وتحالفات متعددة. حيث تشكّل “مجلس مستقبل الصومال” في أكتوبر 2025، ويضم رئيسَي ولايتَي بونتلاند سعيد عبد الله دني، وجوبالاند أحمد محمد إسلام (مدوبي)، إلى جانب رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري. كما يضم الرئيسَ السابق شيخ شريف شيخ أحمد كرئيس لتجمع المعارضة، والرئيس الأسبق محمد عبدالله فرماجو، ورؤساء حكومات سابقين من بينهم عمر عبدالرشيد شارماركي ومحمد حسين روبلي وآخرون. في المقابل، يتمسك حسن شيخ بدعم الولايات الفيدرالية الموالية: جلمدغ، وهيرشبيلي، بالإضافة إلى ولاية جنوب غرب الصومال التي أطاح برئيسها “عبدالعزيز لفتا قرين” عسكريا في تطور حاد ولافت مؤكدا استعداد حسن شيخ للتوظيف الفعلي لمؤسسات الدولة الصلبة في مواجهة الخصوم السياسيين، وهذا الأمر الذي يعتبر إعادة صياغة للعلاقة السياسية بين المركز أو الحكومة الفيدرالية مع الأطراف أي الولايات، ما يعني أننا قد نشهد ديناميكات جديدة للصراع السياسي في الصومال بين الحكومة الفيدرالية وبين الولايات. حيث تبرز مدينة بيدوا، عاصمة ولاية جنوب غرب الصومال، كبؤرةٍ أمنية ساخنة تهدد بتحويل الأزمة السياسية إلى مواجهة مسلحة. وقد بدأت تتصاعد فيها التوترات مع تزايد حالات الانشقاق عن قوات الأمن الإقليمية وانتشارها في مناطق محيطة بالمدينة وبدء عمليات التحشيد العسكري، وتزايدعمليات نزوح المدنيين من المدينة، فيما اتهم مسؤولون إقليميون الحكومة الفيدرالية بدعم الميليشيات المتورطة في الاضطرابات، كما تشير الأنباء المتواترة بنشوء حالة من التحالف العسكرين بين حركة الشباب وقوات “عبدالعزيز لفتا قرين” رئيس إقليم غرب الصومال المخلوع. وبهذا تمثل بيدوا نموذجاً حياً لكيفية تحول الخلاف السياسي إلى احتقان ميداني، لا سيما أن الولاية الجنوبية الغربية كانت حتى وقت قريب حليفةً للحكومة الفيدرالية قبل أن تتشقق علاقتهما. بل إن الأتباء تشير إلى وجود احتقان سياسي وخلافات متصاعدة بين الحكومة الفيدرالية وولاية جلمدغ
التدخل الخارجي: وساطات بلا ثمر
أدركت الأطراف الإقليمية خطورة الاضطرابات السياسية بسبب موسم الانتخابات بسبب الأزمة الدستورية، فتحركت للوساطة، غير أن جهودها اصطدمت بجدار الاستقطاب الحاد وغياب المرونة السياسية. وقد أخذت الأزمة السياسية منحنىً جديداً وسط محادثات للسفير التركي لدى الصومال ألبير أكتاش مع معارضين للحكومة الفيدرالية، ويرى خبراء في هذه اللقاءات بداية دور وساطة لتركيا لإنهاء الأزمة السياسية في ضوء نفوذها وتأثيراتها الواسعة في مقديشو. بيد أن هذه الجهود تصطدم بعقبة جوهرية؛ فـحكومة حسن شيخ محمود لا تنوي مراجعة استراتيجياتها في نظام الانتخابات، خصوصاً أن تحالفاتها الجديدة راغبة في ذلك. وعلى صعيد الاتحاد الأفريقي وإيغاد، جاءت تحركاتهما هشّة أمام إرادة الرئيس على التمسك بموقفه، في ظل رفضه ومعسكره أي حل وسط، وعلى ذات المنوال جاءت تحركات شركاء الصومال الآخرين مثل بريطانيا والولايات المتحدة ولكن دون نتائج حقيقية أو ملموسة.
التقارب الصومالاندي البونتلاندي: رسالة بليغة إلى مقديشو
في مشهد لافت يعكس عمق الأزمة، وقّعت بونتلاند وصوماليلاند في أكتوبر 2025 اتفاقية أمنية مشتركة في نيروبي، تضمنت التنسيق في مكافحة الإرهاب ومشاركة المعلومات الاستخباراتية وتنسيق دوريات الحدود. ودلالة هذه الخطوة بالغة الأثر؛ إذ تعني أن بونتلاند العضو في الدولة الاتحادية، تُعلن تضامنها الأمني مع كيان انفصالي منوجهة نظر مقديشو، في رسالة واضحة إلى حسن شيخ محمود مفادها أن الاستقطاب بلغ حداً دفع الأطراف المعارضة إلى البحث عن شراكات خارج سلطة الدولة المركزية أو الفيدرالية. ويبدو أن هذا التقارب مرشح لأن يتعمق بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، إذ تتحدث الأنباء الواردة عن وجود تواصل وتقارب سياسي متصاعد.
المآلات المتوقعة: ثلاثة سيناريوهات
يقف الصومال أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، توافق سياسي تحت ضغط إقليمي ودولي متراكم ومستمر يُفضي إلى خارطة طريق للانتخابات، وهو سيناريو كما حدث سابقا ممكن، لكنه يستلزم تنازلات من الطرفين تبدو بعيدة حتى اللحظة، لكن هذا التباعد في المواقف السياسية يمكن أن يتغير إذا استمر الضغط الخارجي وتنوعت أدواته.
السيناريو الثاني، هو استمرار التوتر مع تصعيدات محسوبة ومدروسة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في اللحظة الراهنة، حيث بدأت الأوضاع الأمنية تتفاقم وبدأت حركة الشباب تستعيد أنفاسها وتموضعها في ظل التشابك السياسي الذي صنعه الانقسام. وتاريخياً استثمرت حركة الشباب كل فترة انتقالية وأزمة انتخابات لاستعادة مواقعها.
والسناريو الثالث، هو المواجهة المسلحة؛ إذ حذّر المعارضون من أن استمرار الخلاف من دون حل قد يتصاعد إلى مواجهة مسلحة موسعة قد تُفضي إلى تشرذم سياسي وتفاقم الأزمة الأمنية، ولعل في أزمة ولاية غرب الصومال وبداية الاحتقان السياسي في جلمدغ إشارة تغني عن ألف تحليل.
في نهاية المطاف، تأتي الأزمة الراهنة بظلالها الثقيلة على مستقبل بناء الدولة الصومالية برمّته في ظل اختناقات سياسية متعمقة انتقلت فيها إلى مربع المواجهات العسكرية، كما تأتي في ظل زلزال جيوسياسي بسبب اعتراف اسرائيل بجمهورية أرض الصومال وما قد يستتبعه هذا الأمر من تحول تاريخي في المشهد في الصومال، كما تأتي الأزمة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتبعات ذلك على المنظقة والإقليم، وخاصة أن أنباء وجود تعاون رسمي بين حركة الشباب والحوثيين منذ 2023 تحت رعاية الحرس الثوري ما عادت خافية، وعليه فإن المنطقة حبلى بتغيرات استراتيجية إما قد تغير وجه الصومال الحديث أو تدخله في أتون الصراعات والتجاذبات في منطقة الشرق الأوسط من بابه الواسع.


لا تعليق