Photo 2026 09 02 18 50 19


تطورات إثيوبيا يوليو–أغسطس 2026

تصاعد أمني محلي وتحديات سياسية على المستوى المحلي والإقليمي وضغوط اقتصادية

                                                                       بقلم الأستاذ / عمر أبو رهف

شهدت إثيوبيا خلال الشهرين الماضيين، تطورات متسارعة على ثلاث مسارات مترابطة، تراوحت بين تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية، واستكمال مسار الحوار الوطني وإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد الانتخابات على المستوى السياسي، مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية بالتوازي مع ارتفاع ملموس في تكاليف المعيشة تفاقمت مع نهاية الشهر الأخير.

علي المستوى السياسي والاقتصادي ، حاولت الحكومة الإثيوبية، خلال شهري يوليو وأغسطس 2026، تقديم الحوار الوطني والإصلاح الاقتصادي بوصفهما مسارين لإعادة بناء الدولة والاستقرار، قبل أن تداهما التطورات العسكرية والأمنية في شمال البلاد الذي ظل حجر عثرة أمام أي تحسن في المسارين السياسي والاقتصادي،  حيث أعادت التطورات في إقليم تيغراي والتوترات الإقليمية على الحدود مع السودان وإريتريا، بجانب استمرار نشاط جماعة فانو في إقليم أمهرا والجماعات المسلحة في أوروميا، جميعها شكلت تحديات أمام عجلة الحكومة التي أفلحت في الاستحقاق الانتخابي في يونيو الماضي، ومشروع الحوار الوطني، ما يزيد من التساؤلات حول قدرة الحكومة على تثبيت الاستقرار السياسي والأمني بالتوازي مع تنفيذ أجندتها الاقتصادية.

وفيما يلي نستعرض لكم في تقرير تحليلي عبر أربعة محاور رئيسية أهم وأبرز أحداث إثيوبي خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، مشفوعاً بتحليل وتوقعات حول رؤية إثيوبيا وما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في الفترة المقبلة.

أولاً: التطورات الأمنية والعسكرية

من خلال رصد ومتابعة التطورات الأمنية والعسكرية في إثيوبيا خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، نجد أن تجدد أزمة إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، هو التطور الأخطر خلال الشهرين، وذلك جراء اندلاع القتال مجدداً في إقليم تيغراي مطلع أغسطس، كتطور أمني أبرز برز على الساحة، عندما بدأت مواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، في تطور اعتُبر من أخطر الخروقات لاتفاق بريتوريا الموقع عام 2022، وتبادلت الحكومة الفيدرالية وسلطات الإقليم المسؤولية عن بدء التصعيد الذي لا تزال تبعاته مستمرة حيث لم تهدأ الجبهة متراوحة بين الغارات الجوية بالمسيرات وتبادل الاتهامات.

ولم يتوقف التصعيد الذي بدأ مطلع أغسطس عند المواجهات البرية، إذ اتهمت سلطات تيغراي الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة بتنفيذ ضربة بطائرة مسيّرة على مناطق بالإقليم، ما عزز المخاوف من تحول التوتر السياسي والعسكري إلى مواجهة أوسع.

وتكتسب التطورات في تيغراي أهمية خاصة لأنها تأتي بعد سنوات قليلة من حرب مدمرة، فيما لا تزال قضايا ترتيبات ما بعد الحرب، عودة النازحين، الأراضي المتنازع عليها، ووضع القوات المسلحة الإقليمية دون تسوية نهائية، ما يفتح الباب أمام العديد من السيناريوهات في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي التي تسيطر على الإقليم منذ مارس الماضي دون موافقة الحكومة الفيدرالية التي تنظر إلى خطوة جبهة تيغراي بأنها خرق لاتفاق السلام الموقع بينهما.

ولعل الأخطر في تجدد أزمة تيغراي شمال إثيوبيا، كان تزامنها مع أحداث أمنية وعسكرية في الإقليم، حيث برز خلال يوليو الماضي جدل حول التعبئة والتجنيد في إقليم تيغراي، وسط اتهامات حقوقية بوجود تعبئة قسرية استعداداً لاحتمال تجدد الحرب، وهو ما يعكس انتقال الأزمة من مرحلة الخلاف السياسي إلى بناء القدرات والاستعدادات العسكرية.

كما أنه في ذات الشهر برزت على الحدود مع السودان تطورات أمنية وعسكرية، حيث اتهمت الخرطوم أديس أبابا باستخدام أراضيها لأطلاق مسيرات دعماً ومساندةً لقوات الدعم السريع المتمردة التي سيطرت على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا ما عزز اتهامات الخرطوم للجانب الإثيوبي بتورطه في الصراع إلى جانب المتمردين. 

وفي ذات السياق وبالتوازي مع أزمة تيغراي، ظلت جبهة أمهرا تمثل تحدياً أمنياً مستمراً للحكومة، مع استمرار نشاط فانو وامتداد عملياتها إلى مناطق مختلفة من الإقليم، وتشير تقديرات حديثة إلى أن فانو باتت تتحرك في بعض المناطق بأجندة أكثر اتساعاً تتجاوز المطالب الإقليمية إلى تحدي الحكومة الفيدرالية نفسها.

ولا شك أن استمرار القتال في أمهرا يعني أن الحكومة تواجه جبهتين مسلحتين في الشمال، الأمر الذي يفرض ضغوطاً إضافية على الجيش الفيدرالي ويحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى التنمية وإعادة الإعمار.

وعلى مستوى البعد الإقليمي للأزمة الأمنية في إقليم تيغراي، نجد أن التطورات في تيغراي أخذت بعداً إقليمياً متزايداً بفعل حساسية الحدود مع إريتريا والسودان، حيث أثار التصعيد مخاوف من أن يتحول إقليم تيغراي إلى ساحة صراع بالوكالة أو إلى نقطة جذب لتدخلات إقليمية، خصوصاً مع استمرار التوترات الإريترية – الإثيوبية، حيث ظلت الأخيرة تتهم أسمرة بالتورط في الأزمة الأخيرة إلى جانب قوات جبهة تيغراي، الامر الذي ينفيه الطرفان الإريتري وجبهة تيغراي.

وفي هذا السياق حذرت تحليلات عديدة من إمكانية انتقال التصعيد إلى نطاق إقليمي أوسع، معتبرة تجدد القتال في الشمال الإثيوبي لا يمثل مجرد خلاف بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيغراي، بل يمكن أن يتقاطع مع ملفات الحدود، النفوذ الإقليمي، الوصول إلى البحر الأحمر، والعلاقات مع السودان وإريتريا.

ثانياً: المسار السياسي والحوار الوطني

من خلال استعراض احداث إثيوبيا على المسار السياسي خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين، نجد أن مشروع الحوار الإثيوبي كان الأبرز بانطلاق فعاليات مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي منتصف يوليو، بمشاركة نحو 4 آلاف مندوب، واستمر العمل على مدى 46 يوماً قبل اختتامه في 22 أغسطس.

 وجاءت أهمية مؤتمر الحوار، كونه ناقش قضايا الدولة ونظام الحكم والفيدرالية والانتخابات، إلى جانب بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان والقضايا الاقتصادية والسلام والمصالحة، وبذلك مثل الحوار الإثيوبي أحد أبرز المشاريع السياسية لحكومة آبي أحمد منذ وصولها إلى السلطة 2018، باعتباره استهدف معالجة بعض جذور الانقسام السياسي والقومي الذي ساهم في اندلاع الصراعات المسلحة خلال السنوات الماضية.

لكن تظل أهمية الحوار تتجاوز انعقاده إلى كيفية تحويل مخرجاته إلى سياسات وتشريعات وتفاهمات سياسية، فنجاحه سيقاس بقدرته على تخفيف الخلاف حول شكل الدولة والفيدرالية وتقاسم السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم، وليس بمجرد إصدار توصيات توافقية.

ولم يقتصر المسار السياسي في إثيوبيا خلال الشهرين الماضيين بنجاح الدولة في تحقيق مشروع الحوار الوطني، وانما أمتد  المسار السياسي خلال الشهرين الماضين في البلاد إلى تبعات وتأثيرات عملية الاستحقاق الانتخابي التي جرت في يونيو الماضي،  حيث دخلت إثيوبيا إلى مرحلة سياسية جديدة بعد الانتخابات العامة وفوز حزب الازدهار الحاكم بأغلبية واسعة، وعلى الرغم من العملية لم تشمل إقليم تيغراي وبعض المناطق المتأثرة بالاضطرابات الأمنية، إلا أن الخطوة ألقت بظلاله على المسار السياسي خلال الشهرين الذين اعقباها، ودخلت حكومة آبي أحمد، المرحلة وهي تمتلك تفويضاً انتخابياً واسعاً، وإن كان تواجه في المقابل تحدياً يتمثل في توسيع الشرعية السياسية خارج الإطار الانتخابي، خصوصاً في المناطق التي لم تشارك بصورة كاملة في العملية الانتخابية أو التي تعارض الحكومة بالسلاح، لكن في الوقت نفسه أكسبت تلك التحديات الحوار الوطني أهمية مضاعفة؛ إذ يمكن أن يصبح أداة لإعادة دمج القوى والمناطق الخارجة عن العملية السياسية، أو يتحول إلى مسار محدود التأثير إذا لم تُترجم مخرجاته إلى تسويات ملموسة، لكن هي الأخرى في تقديري تواجه هذه الفرصة تحدي يتعلق بالجهات الفاعلة والمهمة التي قاطعت الحوار الإثيوبي ما يجعلها خارج نطاق العملية.

ثالثاً: الاقتصاد.. إصلاحات هيكلية مقابل ارتفاع تكلفة المعيشة

أما فيما يتعلق بالمسار الاقتصادي خلال شهري يوليو وأغسطس في إثيوبيا وأهم ما يمكن أن يتم استعراضه، نجد أن التضخم في البلاد يتحول إلى التحدي الاقتصادي الأبرز، وفي هذا السياق أظهرت بيانات يوليو ارتفاع التضخم السنوي إلى 15.3% مقابل 13.9% في يونيو، في رابع زيادة شهرية متتالية، فيما بلغ تضخم الغذاء 15.7%، وارتفعت أسعار اللحوم 21.6% والزيوت والدهون 20.3%، بينما سجلت مجموعة السكر والمربى والعسل والشوكولاتة زيادة بلغت 39.4%..

ودون أدنى شك، أن هذا التحول يمثل تحدياً مباشراً للإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها أديس أبابا خاصة وأن ارتفاع الأسعار يضغط على القوة الشرائية للأسر، ويمكن أن يضعف الأثر الاجتماعي الإيجابي للنمو الاقتصادي.

واللافت أن التضخم يأتي في وقت تشير فيه المؤسسات الدولية إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية نتيجة الإصلاحات، بما في ذلك تراجع اختناقات النقد الأجنبي وتحسن بيئة التجارة والاستثمار.

ومنذ نحو عامين تواصل الحكومة الإثيوبية تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع يستهدف معالجة اختلالات سوق الصرف، وزيادة الإيرادات، وتحسين الصادرات والاستثمار، بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية. ويقدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج الحقيقي لإثيوبيا في 2026 بنحو 9.2%، ما يعكس استمرار الزخم الاقتصادي رغم التحديات.

لكن ارتفاع التضخم يفرض معادلة صعبة على البنك الوطني الإثيوبي: تشديد السياسة النقدية للحد من الأسعار، من دون خنق الاستثمار والائتمان والنمو، وإن كان البلاد تحاول أن تستفيد من التقدم الذي تحقق في يونيو بشأن إعادة هيكلة سنداتها الدولية المتعثرة البالغة قيمتها الأصلية مليار دولار، في إطار مسار أوسع لمعالجة أزمة الدين، بجانب الاتفاق المبدئي مع حاملي السندات يتضمن سنداً جديداً بقيمة 880 مليون دولار يسدد على مراحل حتى 2029.

ويمثل هذا التطور فرصة لتحسين قدرة الدولة على إدارة التزاماتها الخارجية، لكنه لا يلغي التحديات المتعلقة بالعملة الأجنبية، وخدمة الدين، وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة.

رابعاً: البعد الإقليمي والدولي

تعول إثيوبيا على البعد الإقليم والدولي من خلال موقعها الاستراتيجي، وحضورها الجيو سياسي باعتبارها عاصمة أفريقيا السياسية كمقر الاتحاد الافريقي ومنظمات دولية وإقليمة فاعلة ومؤثرة، وفي هذا السياق، شهد شهري يوليو وأغسطس أيضاً نشاطاً دبلوماسياً وأمنياً لافتاً، في محاولة من أديس أبابا لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي بالتزامن مع الضغوط الداخلية.

وفي يوليو استضافت إثيوبيا الندوة الأفريقية للوجستيات والاتصالات بالشراكة مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا AFRICOM، بمشاركة عسكرية وأمنية واسعة، ما عكس اتجاهاً نحو تطوير التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات اللوجستيات والاتصالات والأنظمة المتكاملة والأمن الرقمي، وليس فقط التعاون العسكري التقليدي.

كما واصلت أديس أبابا تحركها الدبلوماسي بشأن سد النهضة والنيل، مع استمرار التوتر مع مصر والسودان حول إدارة المياه وتشغيل السد، ففي يوليو جدد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا رفض الاتهامات المصرية المتعلقة بتأثير السد على تدفقات المياه، داعياً إلى العودة إلى الإطار التفاوضي، قبل أن يطلق تصريحات مثيرة في أغسطس معلنا فيها أن بلاده ستتحكم في مياه النيل الأزرق وأن بلاده لا تحتاج لأذن من أي طرق في استخدام موارها المائية صاحبتها تصريحات حول مساعي بلاده للحصول على منفذ بحري أكد فيها أن هذا التحرك يأتي ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.

ويمثل ملف السد، إلى جانب مسألة الوصول إلى البحر الأحمر، أحد الملفات التي ستظل مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الإثيوبي وبعلاقات البلاد مع مصر والسودان وإريتريا ودول الخليج.

خلاصة

تكشف تطورات الاحداث الأمنية والسياسية والاقتصادية خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين في إثيوبيا، أن البلاد دخلت مرحلة انتقالية دقيقة، فالحكومة تمتلك زخماً سياسياً بعد الانتخابات، وتدفع بمشروع الحوار الوطني والإصلاح الاقتصادي، وتعمل على تعزيز موقعها الإقليمي؛ لكنها في الوقت ذاته تواجه عودة التوتر العسكري في تيغراي واستمرار تمرد فانو في أمهرا، وتحركات الجماعات المسلحة في أوروميا، وضغوطاً اقتصادية متزايدة جراء التصاعد التضخم.

وبنظرة سريعة إلى أهم وأبرز الاحداث خلال الشهرين الماضين في إثيوبيا على جميع المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، يمكن تلخيص التحديات الرئيسية أمام إثيوبيا جراء هذه التطورات في أربعة محاور:

أولاً: التحديات الأمنية وكيفية تفاديها.

منع تحول أزمة تيغراي إلى حرب جديدة تعيد إنتاج سيناريو الصراع السابق وتفتح المجال أمام تدخلات إقليمية، بالتوازي مع احتواء تمرد فانو في أمهرا واستعادة الاستقرار في المناطق التي لا تزال خارج السيطرة الأمنية الكاملة للحكومة.

ثانياً: تحدي مخرجات الحوار الوطني وإمكانية تنفيذها

تعد عملية تحويل مخرجات الحوار الوطني إلى تسويات سياسية قابلة للتنفيذ، خصوصاً في قضايا الفيدرالية وتقاسم السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

ثالثاً: تحدي التضخم فيما يتعلق بالمسار الاقتصادي

تعتبر حالة التضخم في مسار الإصلاح الاقتصادي في البلاد، إحدى أكبر التحديات، وتعد مسألة التحكم والسيطرة على التضخم وحماية القوة الشرائية مع المحافظة في الوقت نفسه على النمو والإصلاحات الاقتصادية، أحدى أهم الخطوات الت تنتظر الحكومة الإثيوبية.

رابعاً: التحدي الإقليمي والدولي وأزمة البلاد مع جيرانها

تواجه الحكومة الإثيوبي تحدي خارجي على المستوى الإقليم والدولي إلى جانب تحدياتها الداخلية خاصة الأمنية والتي ألغت بظلالها على علاقات أديس أبابا بكل من الخرطوم وأسمرة، بالحكومة الإثيوبية محتاجة إلى إدارة التوترات الإقليمية مع إريتريا والسودان ومصر، وتجنب تداخل الملفات الداخلية مع المنافسة الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي.

أما فيما يتعلق بما يمكن أن تكون عليه أحداث إثيوبيا في الفترة المقبلة من خلال تحليل واقع الاحداث والمتغيرات التي شهدتها البلاد خلال شهري يوليو وأغسطس في جميع المسارات، نجد أنه أمنياً سيبقى ملف تيغراي مركز الثقل الأمني خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار التصعيد المحدود والاحتكاكات العسكرية مع محاولات احتواء الحرب الشاملة، خاصة وأن جبهة تيغراي تحاول من خلال الازمة الأخيرة وتجدد المواجهات أن تجد حلاً لواقعها المتردي في جميع المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية، كما أن الحكومة هي الأخرى تسعى لأن يكون تجدد الأزمة أخر الأزمات فيما يتعلق بأزمتها مع جبهة تيغراي، لكن استمرار التعبئة والتحشيد أو توسع استخدام الطائرات المسيّرة قد يدفع نحو مواجهة أكبر، كما سيظل ملف أمهرا واستمرار نشاط فانو عاملاً ضاغطاً على الجيش والحكومة.

أما سياسياً، ستتجه الحكومة إلى توظيف مخرجات الحوار الوطني لتعزيز شرعيتها بعد الانتخابات، وقد تبدأ مرحلة تحويل بعض التوصيات إلى إصلاحات تشريعية أو مؤسسية. غير أن نجاح المسار سيعتمد على مدى قبول القوى المعارضة، وخاصة تلك الموجودة خارج العملية السياسية، وعلى قدرة الحكومة على ربط الحوار بتسويات فعلية في مناطق الصراع.

أما التوقعات في المسار الاقتصادي أمام أديس أبابا التي تواجه تضخم متصاعد، فلا نستبعد استمرار الإصلاحات الهيكلية وسعي الحكومة إلى جذب الاستثمار وزيادة الصادرات وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، لكن التضخم سيبقى التحدي الأكثر حساسية اجتماعياً، وفي حالة استمراره فوق مستوياته الحالية، فقد يفرض مزيداً من التشدد النقدي ويزيد الضغط على الأسر.

أما إقليمياً، فستواصل أديس أبابا تعزيز علاقاتها الأمنية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، بالتوازي مع الدفاع عن مصالحها في ملفات البحر الأحمر والنيل. لكن أي تصعيد عسكري في تيغراي قد يعيد ترتيب هذه الأولويات ويجعل الأمن الإقليمي أكثر حضوراً في السياسة الخارجية الإثيوبية.

ومن خلال النظر لتلك التعقيدات ما بين التحديات السياسية والاقتصادية والتطورات الأمنية والعسكرية، ستكون المعادلة الحاسمة خلال الأشهر المقبلة قدرة الحكومة على تحويل التفوق السياسي والاقتصادي إلى استقرار أمني مستدام، من خلال الإسراع في احتواء الازمات في كل من تيغراي وأمهرا وربط الحوار الوطني بتسويات سياسية حقيقية وعمل سياسي ودبلوماسي لاحتواء ازماته مع دول الجوار خاصة مع أسمرة والخرطوم بالتوازي مع المساعي الداخلية لاحتواء الازمات.

 وفي حال أفلحت حكومة حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد، في الخطوات أعلاه، يمكن أن تدخل البلاد في مرحلة أكثر استقراراً تسمح للإصلاحات الاقتصادية بإظهار نتائجها واعادة لحمة العلاقة مع دول الجوار، واغلاق الجبهات المسلحة وتراجع حدة التصعيد الأمني وحالة التضخم باعتبارها كوابح تحد من مكاسب الإصلاح ويعيد إنتاج دورة عدم الاستقرار السياسي والأمني.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *