اتفاقيات حركة الشباب مع عشيرة حوادلة الصومالية
الكاتب : عبد الرحمن حسن
الجذور والأسباب والتداعيات
أعلنت حركة الشباب في الثالث من أكتوبر 2026، أنها توصلت إلى اتفاق سلام مع عشيرة الحوادلة في مدينة محاس الصومالية في منطقة هيران بوسط الصومال. وشكل هذا الاتفاق حلا للنزاع المسلح المستمر بين الطرفين حوالي أربع سنوات. وتجدر الإشارة إلى ذكره أن عشيرة الحوادلة كانت قد لعبت دورا بارزا في مواجهة حركة الشباب منذ العام 2022 عندما أسست قوات محلية تابعة لها عُرفت باسم “معاويسلي” والتي شاركت في العمليات العسكرية ضد الحركة في مناطق وسط الصومال. وقد نشر نص الاتفاق عبر وسائل الإعلام التابعة للحركة إلا أنه لم يتسن التحقق من محتواه بصورة مستقلة من مصادر أخرى. كما لم تصدر الحكومة الفيدرالية أو إدارة ولاية هيرشبيلي حتى الآن رواية رسمية تفصيلية بشأن الاتفاق وظروف التوصل إليه. كذلك، لا تزال طبيعة التمثيل العشائري لقبيلة الحوادلة محل تساؤل، إذ لا تتوفر معلومات مؤكدة حول ما إذا كان المشاركون في المفاوضات يمثلون مختلف مكونات عشيرة حوادلة وتوجهاتها، أم أنهم يمثلون شريحة محددة منها، الأمر الذي يجعل من المبكر تقييم مدى قبول الاتفاق أو فرص استدامته على المدى البعيد.
الجذور من تعبئة 2022 إلى سقوط محاس
وفقًا للمعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة، شنت ميليشيات الحوادلة معاويسلي حملة مسلحة ضد حركة الشباب في هيران في عام 2022 بدعم من القوات الفيدرالية وإسناد جوي أمريكي، وتمكنت قوات أو ميليشيا معاويسلي من طرد الحركة من معظم المناطق المأهولة التابعة للعشيرة. وقد استفادت الحكومة الفيدرالية من هذه التعبئة المحلية في إطار حملتها العسكرية الشاملة ضد الحركة، إلا أن المكاسب التي تحققت آنذاك لم تترجم إلى واقع مستدام ومكاسبها لم تدم طويلا. فوفقا لمصادر تقارير عديدة استعادت حركة الشباب معظم التي فقدتها خلال عمليات العام 2022 وذلك في أعقاب هجوم واسع شنته في العام 2025، كما سيطرت حركة الشباب على المناطق التي كانت خارج سيطرتها منذ عملية الاتحاد الأفريقي في عام 2014. وفي السياق ذاته، افاد مسؤولون محليون أن مقاتلي “معاويسلي” واجهوا تهديدات متزايدة من الحركة في ظل مستوى الدعم العسكري واللوجستي المقدم من الحكومة الفيدرالية. وقد انعكس ذلك على ميزان القوى الميداني لصالح حركة الشباب التي استطاعت السيطرة على محاس في يوليو 2025 إحدى معاقل عشيرة الحوادلة. فوفقا لما أفادته وكالة فرانس برس، جاء سقوط المدينة عقب هجوم واسع وشامل نفذته الحركة باستخدام السيارات المفخخة وبمشاركة المئات من مقاتليها. في حين وصف أحد القادة العسكريين الحكوميين انسحاب القوات الحكومية حينها ذلك بأنه “انسحاب تكتيكي”، وهو ما أثار موجة من الانتقادات السياسية والشعبية. وقد ذكرت تقارير سابقة أن القوات الإثيوبية العاملة ضمن القوات الأفريقية كانت قد سلمت قاعدتها العسكرية إلى الجيش الصومالي في أغسطس 2024.
وقد وصف رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري سقوط مدينة محاس حينها بأنه “عار وطني”، متهما الحكومة الصومالية بالتخلي عن مقاتلي معاويسلي الذين خاضوا لسنوات المواجهة المباشرة مع حركة الشباب. وتكتسب أهمية مدينة محاس أهمية استراتيجية، نظرا لموقعها الجغرافي عند التقاء تقاطع هيران مع جلمدج وسط شبيلي، وهو ما يجعل المدينة عقدة للمواصلات، لذا فإن السيطرة عليه لا تحمل بعدا عسكريا فحسب، تنطوي على دلالات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدود المدينة إلى التأثير على موازني القوى في المنطقة.
خلفيات الاتفاق بين عشيرة الحوادلة وحركة الشباب
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن عدداً من العوامل تضافرت لتهيئة الظروف التي أفضت إلى الاتفاق بين حركة الشباب وممثلين عن عشيرة الحوادلة، إلا أن ثلاثة أسباب رئيسية تبدو الأكثر حضوراً وتأثيراً في هذا السياق:
الإرهاق العسكري: فقد أفادت مصادر محلية ومشاركون في الاجتماعات التي سبقت الاتفاق بأن سنوات المواجهة المتواصلة ألحقت خسائر بشرية ومادية جسيمة بالمجتمعات المحلية. ومع استمرار حالة الاستنزاف، برزت لدى قطاعات من السكان والقيادات التقليدية رغبة متزايدة في البحث عن مخرج يضع حداً لتداعيات الصراع ويخفف من أعبائه الأمنية والاقتصادية
التنازع على السلطة: على الرغم من المكاسب العسكرية التي تحققت ضد حركة الشباب منذ عام 2022، فإن السلطات الفيدرالية وسلطات ولاية هيرشبيلي لم تتمكن من تحويل تلك المكاسب إلى نموذج حكم محلي مؤسسي مستقر وقادر على استيعاب القوى الاجتماعية والعسكرية التي شاركت في القتال. وقد أدى التنافس بين الأطراف المختلفة حول النفوذ والتمثيل السياسي وإدارة المناطق المستعادة إلى تصاعد التوترات بين السلطات الرسمية ومقاتلي “معاويسلي”، الأمر الذي أضعف المجهود الحربي ضد الحركة.
سوء الإدارة والاختلالات البنيوية: حدث فشل كبير في تنظيم العلاقة بين المؤسسات الحكومية والقوات المحلية، كما شهدت آليات توزيع الموارد والسلطة السياسية اختلالات متعددة انعكست على قدرة الحكومة على دعم المقاتلين غير النظاميين وتأمين رواتبهم واحتياجاتهم التشغيلية. وإلى جانب ذلك، أسهمت الخلافات المتعلقة بالضرائب ونقاط التفتيش وإدارة الموارد المحلية في تعميق فجوة الثقة بين السكان والسلطات، الأمر الذي راكم مظاهر الاستياء وأضعف من قدرة الحكومة الفيدرالية وإدارة الولاية على المحافظة على المكاسب التي تحققت خلال السنوات السابقة.
الاتفاق في سياق الأزمات السياسية الصومالية
من بين النقاط التي تداولتها وسائل الإعلام المرتبطة بحركة الشباب بشأن الاتفاق، ما يتعلق بدعم عشيرة الحوادلة لتطبيق الشريعة في المناطق التي تقع تحت سيطرت العشيرة، إضافة إلى التزام الوجهاء والمكونات الماركة بعدم السماح بتجنيد مقاتلي معاويسلي أو تمكينهم من النشاط العسكري أو توفير ملاذ لهم ودعمهم، كما اشارت بعض التسريبات إلى تتعلق بوجود تفاهمات تتعلق بعدم القوات الفيدرالية والقوات الأفريقية في عملياتها ضد الحركة، بل تحدثت بعض الروايات عن تقديم أشكال من الدعم للحركة في مواجهتها مع تلك القوات، وإن لم يتسن التأكد من مصادر موثوقة حول بنود الاتفاق.
وبغض النظر عن طبيعة البنود الدقيقة للاتفاق، فإن قراءته في سياقه الأوسع توحي بأنه يمثل في المقام الأول تكيفاً سياسياً وميدانياً مع التحولات التي شهدها إقليم هيران خلال السنوات الأخيرة، أكثر من كونه تحولاً أيديولوجياً أو فكرياً لعشيرة الحوادلة باتجاه تبني مشروع حركة الشباب. فالعلاقة بين الأطراف المحلية والحركة تأثرت بدرجة كبيرة بالتطورات الأمنية والعسكرية، وبالاختلالات السياسية والإدارية التي رافقت إدارة المناطق المستعادة من الحركة.
ويأتي الاتفاق كذلك في سياق أزمات سياسية متراكمة تشهدها الصومال على المستويين الوطني والمحلي، بدءاً من الخلافات المرتبطة بالانتخابات الرئاسية، مروراً بالصراع المستمر بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء بشأن توزيع الصلاحيات والموارد، وانتهاءً بالخلافات المتعلقة بتقاسم السلطة والملفات الدستورية. وقد انعكست هذه الأزمات على قدرة الدولة على الحفاظ على تحالفاتها المحلية وإدارة المناطق المستعادة بفعالية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاتفاق بوصفه مؤشراً على تراجع حضور الدولة ونفوذها في أجزاء من إقليم هيران، وعلى تنامي حالة انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الحكومية. كما يثير الاتفاق تساؤلات مهمة حول فعالية الاستراتيجية الأمنية المعتمدة في المنطقة، ومدى قدرة القوات الفيدرالية والقوات الأفريقية على الاحتفاظ بالمواقع والمكاسب العسكرية التي تحققت خلال السنوات الماضية. ويكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة في ضوء سقوط مدينة محاس في يد حركة الشباب بعد فترة وجيزة نسبياً من انتقال مسؤولية تأمينها إلى الجيش الصومالي، وهو ما سلط الضوء على التحديات المرتبطة بتحويل الإنجازات العسكرية إلى استقرار أمني وسياسي مستدام
.
المآلات والنتائج المحتملة.
استنادا إلى المعطيات المتاحة وسياق تطور الأحداث، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الاتفاق خلال المدى القريب، مع الأخذ بعين الاعتبار محدودية المعلومات المتوفرة حول تفاصيله وآليات تنفيذه:
سيناريو الاستقرار: يفترض هذا السيناريو أن ينجح الاتفاق في خلق حالة من التهدئة بين الأطراف المعنية، بما يحد من المواجهات المسلحة في المناطق المشمولة به. وقد يسهم ذلك في تحسين الظروف الأمنية وحرية الحركة للسكان المحليين، واستئناف الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي تأثرت بالنزاع خلال السنوات الماضية. كما قد يتيح الاتفاق لحركة الشباب تعزيز وجودها في المناطق الريفية من إقليم هيران وتوسيع نفوذها الاجتماعي والإداري دون استنزافها في مواجهات عسكرية في المنطقة.
سيناريو التفكك وعدم الالتزام: لا تزال درجة التوافق داخل عشيرة الحوادلة، وكذلك داخل تشكيلات “معاويسلي”، غير واضحة بصورة كافية. ومن ثم، فإن أحد الاحتمالات المطروحة يتمثل في رفض بعض الفروع العشائرية أو القيادات المحلية أو المجموعات المسلحة التابعة لـ”معاويسلي” الالتزام بمخرجات الاتفاق أو الاعتراف بشرعيته. وفي هذه الحالة قد يتعرض الاتفاق للتآكل التدريجي أو يتحول إلى تفاهم محدود النطاق لا يشمل جميع الفاعلين المحليين. ويرتبط تحقق هذا السيناريو إلى حد كبير بحجم التمثيل الحقيقي للأطراف التي شاركت في التفاوض ووقعت على الاتفاق، ومدى قدرتها على فرض التزاماتها على قواعدها الاجتماعية والعسكرية.
سيناريو التصحيح السياسي والمؤسسي: يقوم هذا السيناريو على احتمال أن تدرك الحكومة الفيدرالية وإدارة ولاية هيرشبيلي حجم التداعيات السياسية والأمنية التي أفرزها الاتفاق، فتسعيان إلى معالجة مسبباته من خلال إعادة النظر في آليات تقاسم السلطة، وتعزيز التنسيق مع المجتمعات المحلية، وتوفير الدعم المالي والأمني للمناطق المتأثرة بالنزاع، فضلاً عن العمل على دمج المقاتلين المحليين ضمن الأطر الأمنية الرسمية. غير أن المؤشرات الحالية لا توفر أدلة كافية على وجود تحركات حكومية جدية في هذا الاتجاه، الأمر الذي يجعل هذا السيناريو أقل ترجيحاً مقارنة بالسيناريوهات الأخرى في المرحلة الراهنة.
وفي المجمل، يبدو أن اتفاق محاس لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد أو سبب منفرد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية وعشائرية تراكمت على مدى عدة سنوات. كما أن تقييم الأهمية الاستراتيجية للاتفاق يظل رهيناً بعدد من المتغيرات، من بينها مدى صحة البنود المتداولة بشأنه، وحجم التمثيل الفعلي للأطراف المشاركة في التفاوض، ومستوى القبول الذي سيحظى به داخل الأوساط العشائرية والمحلية المختلفة.
وإلى حين صدور نص موثق ومستقل للاتفاق، وظهور مواقف رسمية أكثر وضوحاً من الحكومة الفيدرالية وإدارة هيرشبيلي والقيادات التقليدية لعشيرة الحوادلة، ستظل التقديرات المتعلقة بمستقبل الاتفاق محاطة بقدر من عدم اليقين. ولذلك فإن الأهمية الحقيقية للاتفاق لا تكمن في توقيعه فحسب، وإنما في مدى قدرته على الصمود والتحول إلى واقع عملي قابل للتنفيذ خلال المرحلة التالية، وما إذا كان سيؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات المحلية في إقليم هيران أو سيبقى مجرد تفاهم ظرفي فرضته موازين القوى القائمة


لا تعليق