ChatGPT Image Aug 26 2026 08 30 57 PM

أزمة قبرص الشمالية في الخطاب الصومالي  وحدود الارتداد على العلاقة مع تركيا  

بقلم / الاستاذ عبدالرحمن حسن

قبل بضعة أيام،  نشر  رئيس مجلس الشعب )البرلمان( الصومالي عبد القادر محمد نور  ،رسالة شكر إلى رئيس برلمان  جمهورية شمال قبرص التركية  ضياء أوزتوركلار بعد تهنئته  بانتخابه،  واستخدم في رسالته التسمية الرسمية “جمهورية شمال قبرص التركية، وقد تمت إزالة تصريح رئيس البرلمان الصومالي من منصة X. وأعقب ذلك سريعا تصحيح رسمي واضح من قبل الخارجية الصومالية أعلنت فيه أن موقف الدولة الصومالية من قبرص لم يتغير، وأكدت احترامها الكامل لسيادة جمهورية قبرص واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها وفق ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

أكدت الخارجية أن المنشورات أو الاتصالات ذات الصلة لا تمثل تغييرا  في موقف الدولة ولا اعترافا  بكيان منفصل في شمال قبرص، ويبدو أن هذا التصريح الرسمي من  الحكومة الصومالية  هو محاولة منها  لفص ل  مقصود بين  التصريحات والأفعال الصادرة من المسؤولين في الحكومة الصومالية   وبيًنًالمواقف الرسمية التي  تعكس  السياسة الخارجية  للدولة الصومالية. وقد رحبت الحكومة القبرصية بالبيان الرسمي الصادر من الحكومة الصومالية، ويبدو أن هذا الترحيب هو مؤشر على نجاح خطوة الاحتواء  من قبل الحكومة الصومالية  فًيً تخفيف القلق القبرصي.  فيما سعت الحكومة التركية  إلى عدم التصعيد من خلال توجيه الأنظار إلى صلة الواقعة بحساسية صوماليلاند.

بناء على ذلك ينبغي التمييز بين مستويين، الأول هو الاعتراف الرمزي والذي يمثله تصريح رئيس البرلمان للتسمية لأنه لا قيمة سياسية أو قانونية حقيقية له، وبين الاعتراف القانوني لقبرص التركية والذي هو قرار سيادي من المفترض أن يتخذ مسارات رسمية إذا رغبت الحكومة الصومالية بذلك يوما ما. وعليه يمكن وصف تصريح رئيس البرلمان بأنه لا يتناقض من سياسة الدولة الصومالية تجاه قرص الموحدة، إلا أن هذا التصريح غير الموفق من قبل رئيس البرلمان لا يلغي أن له تكلفة سياسية ما، فعلى الأقل يمكن وصف التصريح بأنه قابل للتفسيرات متعددة على نحو قد يضر بمصالح مقديشو، ولا سيما أن لديها إشكالية قضية أرض الصومال. ومن المتوقع أن يترك هذا التصريح انطباعا بالحاجة إلى وضع سقف محكوم من قبل الحكومة في مقديشو لأي انفتاح برلماني أو سياسي مستقبلا  مع قبرص التركية حتى لا يقع المحظور. 

التداعيات المحتم لة 

لا يبدو أن العلاقات الصومالية التركية قد تتأثر كثيرا بتصريح رئيس البرلمان وخاصة بعد احتواء الموقف من قبل الخارجية الصومالية وفي ظل غياب البيان العلني من أنقرة، فالتعاون بين الطرفين ممتد على نطاق واسع يشمل التعاون السياسي والأمني والاقتصادي. ولكن عدم الانضباط من قبل المسؤولين الصوماليين في تصريحاتهم ومواقفهم مستقبلا قد يخلق مشكلة عدم ثقة مستقبلا في قدرة مقديشو على ضبط الرسائل السياسية المتعلقة بالملفات الحساسة لدى تركيا، وربما قد تؤدي إلى ارتفاع حساسية أنقرة تجاهها .

وهنالك ارتدادات أخرى داخلية لتصريحات رئيس البرلمان، إذ يضع مقديشو في موقف سياسي محلي وإقليمي ودولي غاية في الحرج تجاه اتساق حجتها السياسية والدبلوماسية في التعامل م ع ملف صوماليلاند، في حين أنها تتعامل سياسيا بشكل منفصل مع قبرص التركية على الأقل ظاهريا، وهذا يظهر كأن مواقف مقديشو انتقائية وليست مبدئية. وقد استغلت صوماليلاند تلك التصريحات ووظفتها إعلاميا في حينها. وعليه فإن التساهل وعدم الانضباط لدى المسؤولين الحكومي ين الصوماليين في توصيف كيان منقسم سياسيا في مكان آخر كقبرص التركية سيخلق حتما ثغرة سياسية وإعلامية وربما دبلوماسية لاستثمارها ضد حكومة مقديشو بسبب. 

إن الأزمة الحالية أظهرت إلى السطح غياب الكفاءات الحكومية المؤهلة سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا في أعلى سلم الهرم الحكومي في الحكومة الصومالية الفيدرالية، كما أن غياب البروتوكولات أو عدم فاعليتها يظهر جانبا عميقا من المشكلة التنظيمية والإدارية القائمة لدى الحكومة الصومالية .ولقد كشفت لنا أزمة التصريح أن منشورا أو تصريحا يستطيع فرض عبئ دبلوماسي مكلف على الحكومة الصومالية. وللعلم فإن أزمة التصريحات الحالية ليست بالحادثة الوحيدة، فهنالك حوادث دبلوماسية وسياسية وقعت سابقا إلا أن التغطية الإعلامية لها كانت محدودة، وعليه فإن على الحكومة الصومالية عمل مراجعات تنظيمية ووضع خطط لإعادة تأهيل المسؤولين الحكوميين. 

استشراف المسارات  

 يرجح أن ينتهي المسار القصير الأجل إلى احتواء صامت: تحافظ مقديشو على بيانها، ولا تضخم أنقرة التباين علنا ، فيما تعتبر نيقوسيا أن موقفها القانوني قد أعيد تأكيده. ويصبح التصعيد أكثر احتمالاً  فقط إذا تكرر استخدام المسؤولين الصوماليين للتسمية القبرصية التركية في مناسبات رسمية، أو إذا اتخذت جهة صومالية خطوات مؤسسية لا رمزية

.فقط توحي بتغيير في الاعتراف

 أما المسار المتوسط الأجل فيتعلقً بصوماليلاند. كلما اتسع توظيف الواقعة في الجدل الدولي، زادت حاجة مقديشو إلى لغة متسقة تؤكد أن رفض الانفصال ليس موقفا  انتقائيا ، بل مبدأ  من مبادئ السيادة ووحدة الأراضي. فًيً هذا الإطار، قد تصبح

.الواقعة درسا  مفيدا  للدبلوماسية الصومالية إذا تحولت إلى إصلاح آليات التنسيق بدلاً  من أن تبقى أزمة اتصال عابرة

توصيات  سياساتية  

 ينبغي لمقديشو اعتماد مذكرة توجيهية مشتركة بين الخارجية ومجلس الشعب ومكتب الرئاسة، تحدد بوضوح الفارق بين المجاملات البرلمانية واللغة التي يمكن أن تقُرأ بوصفها اعترافا  أو تبنيا  لتوصيف قانوني متنازع عليه. ويستحسن أن

.يتضمن ذلك مسار مراجعة سريعا  لمنشورات المسؤولين رفيعي المستوى في القضايا ذات الحساسية السيادية

 ومن المفيد أن تبلغ الخارجية الصومالية، عبر قنوات هادئة، الشركاء الأتراك والقبارصة واليونانيين بأن البيان لا يستهدف أي دولة شريكة، بل يضبط الاختصاص الرسمي ويحمي اتساق موقف الصومال في قضايا الوحدة والسيادة. هذا النهج

.يقلل احتمالات تحويل الحادثة إلًىً مادة تنافسية بين أنقرة ونيقوسيا على الساحة الصومالية

 أما تركيا، فالأصلح لمصالحها هو الفصل بين عمق الشراكة مع مقديشو وبين الملف القبرصي، مع الحفاظ على دعمها المعلن لوحدة الصومال. فمن شأن الضغط العلني على الصومال في هذا التوقيت أن يضعف حجة الطرفين المشتركة ضد

.تشجيع الانفصال؛ بينما يوفر التنسيق الهادئ فرصة لإبقاء العلاقًةً الاستراتيجية خارج اختبار رمزي غير ضروري

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *