Brown White Minimalist Blank A4 Document Horizontal 2

الأستاذ / عمر أبو رهف

توطئة

لم يكن شهر يناير 2026 مجرد بداية تقويمية لعام جديد في إثيوبيا، كما هو الحال في بقية دول العالم، إذ تحتفل البلاد بالعام الجديد في 11 سبتمبر وفق التقويم الإثيوبي المرتبط بتقاليد الكنيسة القبطية، والمتأخر عن التقويم الميلادي بنحو سبع سنوات، غير أن لشهر يناير مكانته الخاصة في الوجدان الإثيوبي، باعتباره شهر احتفالين دينيين بارزين هما عيد الميلاد المجيد (7 يناير) وعيد الغطاس (طِمقيت – 19 يناير)، اللذين يُعدّان من أبرز المناسبات الدينية والثقافية، وتحظيان بعطلة رسمية ومشاركة شعبية واسعة.

إلا أن يناير 2026 اكتسب هذا العام بعدًا مختلفًا، بوصفه شهرًا كاشفًا لاتجاهات العام، ومفتتح سياسي وأمني واقتصادي بالغ الدلالة، راهنت عليه حكومة أديس أبابا لتدشين عام يحمل طموحات سياسية واقتصادية كبيرة، في مقابل ضغوط أمنية وعسكرية متصاعدة، وتعقيدات سياسية بعضها متصل بالاستحقاق الانتخابي المرتقب في يونيو المقبل، تزامن مع تصعيد عسكري في بعض الأقاليم، وحراك حكومي نشط شمل زيارات خارجية ولقاءات دبلوماسية، وتفاهمات أمنية وعسكرية، وتحركات سياسية داخلية مرتبطة بالانتخابات، إلى جانب مساعٍ اقتصادية وتنموية تعكس استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي رغم التحديات.

ويستعرض هذا التقرير أبرز تطورات شهر يناير 2026 في إثيوبيا عبر أربعة محاور رئيسية:  الأحداث الأمنية والعسكرية، جهود الحكومة في المسار السياسي، الجهود الاقتصادية والتنموية، فضلا عن استشراف العام 2026 بين التحديات والفرص.

أولاً: محور الأحداث الأمنية والعسكرية

ارتبطت التطورات الأمنية والعسكرية الأبرز خلال شهر يناير باستمرار القتال في إقليم أمهرا شمال البلاد بين الجيش الفيدرالي وقوات «فانو»، وأعمال عنف متقطعة في إقليم أوروميا، واضطرابات محدودة في بعض مناطق بني شنقول–قمز وغامبيلا، قبل أن يُختتم الشهر بتجدد الاشتباكات في إقليم تيغراي، وهو ما أعاد مخاوف الانزلاق إلى تصعيد واسع في شمال البلاد، وانعكاساته المحتملة على استقرار القرن الأفريقي.

  إقليم أمهرا

واصل إقليم أمهرا خلال يناير 2026 كونه ساحة مفتوحة للمواجهات المسلحة بين الجيش الفيدرالي ومليشيات «فانو»، في صراع ممتد منذ نحو ثلاث سنوات، يتخذ طابع نزاع مسلح واسع النطاق، ويعكس محدودية قدرة الحكومة على فرض الأمن الشامل دون مسار سياسي موازٍ لمعالجة جذور الأزمة.

وشهد الشهر تصاعدًا لافتًا في مظاهر الفوضى الأمنية، تمثلت في عمليات اختطاف واعتقالات استهدفت مدنيين في مدن رئيسية مثل لاليبيلا وكمبولتشا، بما يشير إلى تراجع مستوى السيطرة الأمنية في بعض المناطق. كما برزت خلال الفترة نفسها تقارير تتحدث عن ارتباطات خارجية لمليشيات فانو، واتهامات بتقاطع مصالحها مع أجندات مرتبطة بتيغراي، وهو ما زاد من تعقيد المشهد.

وفي منتصف يناير، أعلنت السلطات الإثيوبية مصادرة نحو 56 ألف طلقة ذخيرة قالت إنها أُرسلت من إريتريا إلى متمردين في الإقليم، مع توقيف مشتبه بهما، فيما وصفت أسمرا هذه الاتهامات بأنها «زائفة»، معتبرة أنها تهدف إلى تبرير تصعيد عسكري جديد.

ميدانيًا، تواصلت الاشتباكات في عدة مناطق، مع تبادل روايات متناقضة حول الخسائر، وبينما تحدثت مصادر تابعة لـ«فانو» عن تكبيد الجيش خسائر كبيرة، وصفت الحكومة هذه المزاعم بأنها دعاية تهدف للتغطية على إخفاقات ميدانية.

في المقابل، تشير مصادر رسمية إلى حدوث انقسامات داخل صفوف «فانو»، ونجاح الحكومة الفيدرالية وحكومة الإقليم في إحداث اختراقات دفعت بعض العناصر إلى العودة لما تسميه الحكومة «مسار السلام». كما حرصت سلطات الإقليم على إبراز مظاهر الاستقرار النسبي في المدن الكبرى مثل غوندر وبحر دار، من خلال استمرار المشاريع التنموية والمشاركة الواسعة في احتفالات عيد الغطاس، في رسالة تؤكد بسط السيطرة الحكومية على المراكز الحضرية الرئيسية.

إقليم أوروميا

لم يشهد إقليم أوروميا خلال يناير تصعيدًا عسكريًا واسعًا مماثلًا لأمهرا أو تيغراي، غير أن الأوضاع الأمنية ظلت هشة، مع استمرار أعمال عنف متقطعة وعمليات أمنية مكثفة ضد عناصر “جيش تحرير أورومو – شِني” .

ترافقت هذه العمليات مع تأثيرات مباشرة على المدنيين، شملت تقييد الحركة في بعض المناطق وحالات نزوح محلية، كما تفاقمت الأوضاع الإنسانية في الإقليم، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد وصعوبة وصول المساعدات، خاصة مع تداخل الأزمات في أمهرا وتيغراي.

ويمكن توصيف وضع أوروميا خلال يناير بأنه عنف منخفض إلى متوسط الحدة، لكنه مرشح للتصاعد ما لم تُعالج أسبابه السياسية والاجتماعية العميقة، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات، وما يرافقها من توترات سياسية وأمنية.

إقليم تيغراي

في تطور أعاد الإقليم إلى واجهة المشهد الأمني، اندلعت أواخر يناير اشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات دفاع تيغراي بقيادة دبري صيون، في منطقة تسليمتي بغرب تيغراي، وهي منطقة متنازع عليها أيضًا مع إقليم أمهرا.

وأثارت هذه الاشتباكات مخاوف من اتساع دائرة النزاع، خصوصًا بعد تعليق رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية إلى الإقليم، وصدور تحذيرات من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وجاءت التطورات في سياق هشاشة تطبيق اتفاق بريتوريا للسلام (2022)، مع بقاء بنود جوهرية عالقة، وتزايد الاتهامات المتبادلة بشأن السيطرة على الموارد والمناطق الحدودية.

كما تزامن التصعيد مع استبعاد جبهة تيغراي من العملية الانتخابية بعد رفض تسجيلها، وهو ما اعتبره مراقبون عاملًا إضافيًا لتأجيج التوتر، يُضاف إلى الانقسام الحاد داخل قيادة الجبهة، بين جناح دبري صيون، وجناح قيتاجو ردا الأقرب إلى رؤية الحكومة الفيدرالية، ما أسهم في تعقيد المشهد وإضعاف الهدنة القائمة.

السياق العام

بصورة عامة، تصدرت صراعات أمهرا وتيغراي المشهد الأمني خلال يناير 2026، مع تحولات ميدانية سريعة ومؤشرات تهدد الاستقرار الوطني. ويبدو واضحًا أن هذه الأزمات محكومة بدرجة كبيرة بأجندات سياسية مرتبطة بمفاوضات السلام والمشاركة في الانتخابات المقبلة، إلى جانب عوامل بنيوية تشمل النزاعات الاجتماعية والمناطق المتنازع عليها، وتردي الأوضاع الإنسانية.

ثانياً: محور جهود الحكومة في المسار السياسي

في ظل تصاعد التحديات الأمنية، كثفت الحكومة الإثيوبية خلال يناير 2026 من تحركاتها السياسية والدبلوماسية، داخليًا وخارجيًا، بهدف تعزيز موقعها الإقليمي والدولي، وتهيئة المناخ للاستحقاق الانتخابي.

1. الزيارات المكوكية واللقاءات الدبلوماسية

شهد الشهر نشاطًا دبلوماسيًا لافتًا، تمثل في زيارات خارجية ولقاءات رفيعة المستوى في أديس أبابا وخارجها، أسفرت عن تفاهمات أمنية وعسكرية واقتصادية.

زيارة جيبوتي: في 12 يناير ، أجرى رئيس الوزراء آبي أحمد زيارة رسمية إلى جيبوتي، بحث خلالها مع الرئيس إسماعيل جيله ملفات التجارة والربط اللوجستي والتكامل الاقتصادي، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي، في ظل الجدل المتواصل حول سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، للحصول على منفذ بحري.

العلاقات مع الإمارات: عقدت مباحثات رفيعة المستوى مطلع يناير، تُوّجت بزيارة وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان في 6 يناير، حيث أكد الجانبان أهمية الشراكة الاستراتيجية في مجالات الأمن والسلام وحماية المصالح الاقتصادية، كما استعرضا جهودًا مشتركة في الملف الإنساني السوداني.

التعاون مع الاتحاد الأوروبي: استضافت إثيوبيا مسؤولين أوروبيين لتعزيز التعاون الأمني والتنموي، في إطار مساعيها لتوطيد علاقاتها مع الشركاء الدوليين.

العلاقات مع الولايات المتحدة: استقبل آبي أحمد وفدًا أمريكيًا رفيعًا ضم نائب وزير الخارجية وقائد «أفريكوم»، حيث جرى بحث التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والتطورات الإقليمية، في مؤشر على تحسن ملحوظ في العلاقات الثنائية.

كما وقّعت إثيوبيا خلال الشهر مذكرات تفاهم للتعاون العسكري مع بيلاروسيا، وعقدت اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة مع المغرب، في إطار تنويع شراكاتها الدفاعية.

وفي حدث لافت اختتمت إثيوبيا مسار السياسي وربما الأمني بقمة ثلاثة السبت الماضي 31/1/2026، والتي جمعت رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مع رئيسي الصومال حسن شيخ محمود، والجيبوتي، إسماعيل جيله، بمدينة جيجيجا حاضرة إقليم الصومال الإثيوبي  الذي يجاور الصومال الفيدرالي وله امتدادات اجتماعية في جيبوتي ، في خطوة أربكت حسابات إقليمية وأعادت ملامح تشكل حلف جديد ربما على انقاض تحالفات نسجت في المنطقة مؤخرا،

وشارك القادة الثلاث في افتتاح مشروعات تنموية في إقليم الصومال الإثيوبي، بحضور مسؤولون إقليميون من بينهم مدير المخابرات الكينية نور الدين حاجي، في إشارة إلى اتساع دائرة الاهتمام بمخرجات الزيارة، قبل أن تعقد قمة مهمة كونها تجري في ظل متغيرات وتحولات تشهدها منطقة القرن الأفريقي.

والقمة، التي بدت مفاجئة في توقيتها ومكانها، بحث فيها القادة الثلاثة أولويات إقليمية مشتركة تشمل التكامل الاقتصادي، ومشاريع البنية التحتية، وتعزيز الربط، والتنسيق الأمني، حيث عقدت في وقت يواجه فيه القرن الإفريقي حزمة معقّدة من التحديات المتداخلة التي تهدد أمنه واستقراره، في مقدمتها تحديات تمسّ وحدة الصومال، على خلفية إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي، ما أثار رفضا واستنفارًا عربيا ودوليا واسعَين.

واتُهمت إسرائيل بأنها تسعى من خلال هذا الاعتراف استغلال موقع الإقليم المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، لإيجاد موطئ قدم لها والسيطرة على الممرات المائية، مخاطر تهدد المنطقة

الاستعداد للانتخابات

برز ملف الانتخابات بقوة خلال يناير، مع تحركات نشطة للمجلس الوطني للانتخابات ومجلس الأحزاب، إلى جانب نشاط مكثف لحزب الازدهار الحاكم، وأعلن المجلس الوطني للانتخابات عن خطوات تنظيمية شملت فتح مكاتب فرعية، وتجهيز مراكز الاقتراع، وإطلاق نظام تسجيل رقمي للناخبين والمرشحين، وأكدت الحكومة التزامها بإجراء الانتخابات في 1 يونيو 2026، رغم التحديات الأمنية.

وضمن جهود تهيئة المناخ السياسي، استضافت مدينة بحر دار مؤتمرًا دوليًا حول سيادة القانون وتسوية النزاعات، في خطوة هدفت إلى دعم مسارات السلام والاستقرار، خاصة في إقليم أمهرا.

ثالثاً: محور الجهود الاقتصادية والتنموية

رغم الضغوط الأمنية والسياسية، واصلت الحكومة الإثيوبية خلال يناير دفع برنامج الإصلاح الاقتصادي والتنمية، والتي تمظهرت في الشراكات الاقتصادية واتفاقات التعاون وقطاع الطيران والبنية التحتية .

وحول قطاع الطيران والبنية التحتية، أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية إبرام صفقة مع شركة بوينغ لشراء 9 طائرات إضافية من طراز «787 دريملاينر»، لترتفع طلبياتها الحديثة إلى 20 طائرة، ضمن استراتيجية تحديث الأسطول وتعزيز الرحلات طويلة المدى.

كما أُعلن في 10 يناير عن بدء تنفيذ مشروع مطار بيشوفتو الدولي، بتكلفة 12.5 مليار دولار، ليكون أكبر مطار في أفريقيا بطاقة تصل إلى 110 ملايين مسافر سنويًا، ويُتوقع أن يشكل ركيزة لتحويل إثيوبيا إلى مركز قاري للنقل الجوي.

أما الشراكات الاقتصادية، فقد شهد الشهر لقاءات إثيوبية–أمريكية ركزت على الإصلاحات الاقتصادية وفرص الاستثمار، إلى جانب منتدى الأعمال الإثيوبي–الياباني، واتفاقات مع البنك الدولي لتعزيز دعم الإصلاحات الكلية.

رابعاً: استشراف العام 2026 بين التحديات والفرص

رسمت تطورات شهر يناير في إثيوبيا ملامح عام 2026 باعتباره عامًا يتأرجح بين الفرص والتحديات. فقد أفرزت التحركات السياسية للحكومة فرصًا لافتة، تمثلت في تنشيط مسارات التعاون وتجسير العلاقات الإقليمية والدولية عبر سلسلة من اللقاءات والزيارات على المستويين الإقليمي والدولي. كما عكست هذه التحركات، إلى جانب مساعي أديس أبابا الخارجية، ملامح استراتيجية تستهدف توسيع نطاق التعاون الأمني والعسكري، وبناء شراكات دولية متنامية تعكس طموح إثيوبيا لإعادة تموضعها كقوة إقليمية فاعلة، فضلًا عن الدفع بمشروعات كبرى واستثمارات تسعى من خلالها الحكومة إلى تخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية المستمرة.

وفي المقابل، يبرز بوضوح أن إثيوبيا تواجه تحديات لا تقل حجمًا عن هذه الفرص، حيث تتجدد الاشتباكات بما يهدد الاستقرار الداخلي، في وقت تستعد فيه البلاد لاستحقاق انتخابي حساس وسط بيئة سياسية هشة. وتتفاقم هذه التحديات مع مخاطر إنسانية محتملة في حال اتساع نطاق التصعيد، بما قد يؤدي إلى تفاقم أوضاع النزوح وتدهور الخدمات الأساسية، في بلد لم يتعافَ بعد من آثار النزاعات والصراعات المتراكمة.

ومن خلال قراءة متوازنة لمعادلة الفرص والتحديات، يتضح أن مؤشرات عام 2026 في إثيوبيا تنطوي على احتمالات مرتفعة لتجدد الصراعات، وسط مخاوف متزايدة من عودة المواجهات في إقليم تيغراي، التي تمثل أكبر تهديد للاستقرار منذ توقيع اتفاق عام 2022. وقد تشكل هذه المواجهات شرارة تهدد مسار الانتخابات المصيرية، وربما تعرقلها بالكامل، في وقت تعوّل فيه حكومة حزب الازدهار على نجاح العملية الانتخابية لتعزيز شرعيتها السياسية والمضي قدمًا في تنفيذ مشروعاتها، بينما قد يؤدي تعثرها إلى تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *