إثيوبيا.. فوز حزب الازدهار بين تفويض صناديق الاقتراع واستحقاقات المرحلة المقبلة
بقلم / أ. عمر أبو رهف
لم تكن الانتخابات العامة السابعة التي أجرتها إثيوبيا في الأول من يونيو 2026 مجرد استحقاق دستوري دوري، بل مثلت محطة سياسية مفصلية لاختبار قدرة الدولة على إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. فقد جاءت الانتخابات في ظل تحديات أمنية مستمرة، وضغوط اقتصادية متزايدة، واستقطاب سياسي لم تتعافَ البلاد منه بالكامل رغم اتفاق السلام في تيغراي الذي هو الآخر شكل تحدي مستمر، الأمر الذي منح نتائجها أبعاداً تتجاوز حدود التنافس الحزبي إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة خاصة فيما يحمله من رؤية جديدة لحزب الازدهار الحاكم الذي فاز بالانتخابات.
وجاء إعلان المجلس الوطني للانتخابات، في 21 يونيو الجاري، بفوز حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد بأغلبية ساحقة بلغت 438 مقعداً من أصل 486 مقعداً جرى التنافس عليها في مجلس نواب الشعب، بما يعادل نحو 90% من المقاعد، ليمنح الحزب تفويضاً جديداً لتشكيل الحكومة الاتحادية ومواصلة قيادة البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
استمرار الهيمنة السياسية
حافظ حزب الازدهار على النسبة ذاتها تقريباً التي حققها في انتخابات عام 2021، وهو ما يعكس استمرار هيمنته على المشهد السياسي الإثيوبي، رغم ما شهدته البلاد خلال الأعوام الأخيرة من نزاعات داخلية وتحديات أمنية في عدد من الأقاليم.
وجاء هذا الفوز منسجماً مع توقعات معظم المراقبين، في ظل معارضة مشتتة تضم أكثر من أربعين حزباً، يعاني معظمها ضعف الإمكانات التنظيمية والمالية، الأمر الذي منح الحزب الحاكم أفضلية واضحة، وصلت إلى فوزه بالتزكية في عشرات الدوائر الانتخابية التي لم تشهد أي منافسة فعلية.
وبحسب بيان مجلس الانتخابات الإثيوبي، أجريت الانتخابات في 501 دائرة انتخابية من أصل 547، بينما تعذر تنظيمها في أجزاء من إقليم أمهرة ودوائر بإقاليم أخرى بينها أوروميا لأسباب أمنية، وكامل إقليم التيغراي الذي استبعد من الاستحقاق الانتخابي للمرة الثانية لظروف أمنية وتعقيدات سياسية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي عرابة الإقليم والنظام السابق، إضافة إلى إلغاء نتائج 15 دائرة انتخابية بسبب مخالفات انتخابية، مع الإعلان عن إعادة التصويت فيها لاحقاً.
حضور قوي في البرلمان والأقاليم
وبنظرة سريعة إلى نتيجة الانتخابات، نجد تفوق حزب الازدهار لم يقتصر على البرلمان الاتحادي، بل امتد إلى المجالس الإقليمية والإدارات المحلية، حيث حقق أغلبية مريحة في معظم الأقاليم، وعلى رأسها أوروميا أكبر أقاليم البلاد والتي ينحدر منها آبي أحمد، رئيس الحزب نفسه، ونتائج مفاجئة في إقليم أمهرا الذي تشهد بعض مناطقة مواجهات مسلحة بين الحكومة ومسلحي فانو منذ أكثر من 3 سنوات، وهذا إلة جانب ما حققه حزب الأازدهار من أغلبية في أقاليم الصومال الإثيوبي وسيداما والجنوب والوسط فضلاً عن العاصمة أديس أبابا ومدينة ديريداوا التين تتمتعان بحكم إداري خاص، وفق النظام الفيدرالي في البلاد.
وفي المقابل، برز حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية (إيزيما) باعتباره أبرز قوى المعارضة، بعد حصوله على عدد من المقاعد في البرلمان والمجالس الإقليمية، إلا أن حضوره ظل محدوداً مقارنة بالانتشار الواسع للحزب الحاكم.
وتعكس هذه النتائج استمرار قدرة حزب الازدهار على المحافظة على نفوذه السياسي على المستوى الاتحادي والإقليمي، بما يمنحه مساحة واسعة لتنفيذ برامجه دون تحديات برلمانية كبيرة.
تطوير العملية الانتخابية
وحول العملية الانتخابية في إثيوبيا كتجربة في الواقع الافريقي الراهن والتحديات الماثلة، نجد أن أبرز ما ميز الانتخابات الإثيوبية الأخيرة هو استمرار تطوير الآليات التنظيمية للعملية الانتخابية، حيث اعتمد المجلس الوطني للانتخابات للمرة الأولى التسجيل الرقمي للناخبين والمرشحين، إلى جانب استخدام التكنولوجيا في إدارة الشكاوى والنزاعات الانتخابية، مع اتخاذ إجراءات هدفت إلى تعزيز مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والحد من العنف المرتبط بالانتخابات.
وأكد المجلس الوطني للانتخابات استقلالية قراراته طوال مراحل العملية الانتخابية، مشيراً إلى نجاحه في إدارة واحدة من أكبر العمليات الانتخابية في تاريخ البلاد، شارك فيها نحو 40 مليون ناخب من أصل أكثر من 54 مليوناً مسجلين.
لكن هذه النجاحات قابلتها انتقادات من بعض الأحزاب السياسية التي قاطعت العملية الانتخابية، لكنها لم تعيق سير العملية ولم تحد من نجاحها نظرا لمشاركة أحزاب كبيرة وعديدة بلغت أكثر من 40 حزباً سياً شاركوا في الانتخابات ووصل بعضها إلى قبة البرلمان وإن كان بنسبة ضئيلة ومحدودة لكنها تمثل هامش من المنافسة كان قد أطلقها حزب الازدهار ضمن رؤيته للعملية الانتخابية فاتحا مساحات لهذه المنافسة.
إشادات محلية ودولية
ومنذ اعلان مجلس الانتخابات الإثيوبية لنتيجة الاستحقاق الانتخابي الذي حقق فيه حزب الازدهار فوزا وصف بالكاسح، توالت ردود الافعال على جميع المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، حيث أعقب إعلان النتائج صدور سلسلة من التهاني والإرشادات من مؤسسات إقليمية ودولية، حيث هنأت الهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد) الحكومة والشعب الإثيوبي على نجاح الانتخابات، معربة عن ثقتها في استمرار مسار الحوار الوطني وتعزيز السلام والاستقرار.
كما أشاد الاتحاد الأفريقي بسير العملية الانتخابية، واعتبرها خطوة مهمة في ترسيخ المؤسسات الديمقراطية، فيما بعث عدد من قادة الدول، من بينهم رئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس بوروندي، إضافة إلى دولة قطر وروسيا والهند وماليزيا، برقيات تهنئة إلى رئيس الوزراء آبي أحمد.
في الداخل، وصف حزب الازدهار الانتخابات بأنها محطة تاريخية في مسيرة التحول الديمقراطي، وتعهد بتحويل التفويض الشعبي إلى إصلاحات ملموسة تشمل تعزيز الأمن، وتحسين الاقتصاد، وتوسيع فرص العمل، واستكمال الحوار الوطني، وتطوير الخدمات الحكومية، ومكافحة الفساد.
أما حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية (إيزيما)، فرغم محدودية نتائجه، فقد تعامل مع النتائج بقدر من الواقعية، مقدماً نفسه بوصفه معارضة مسؤولة تعمل من داخل المؤسسات، وداعياً إلى ترسيخ ثقافة التنافس الديمقراطي والاحتكام لصناديق الاقتراع.
قراءة في دلالات النتائج
تعكس نتائج الانتخابات استمرار ثقة شريحة واسعة من الناخبين في قيادة حزب الازدهار، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن طبيعة المشهد السياسي الإثيوبي الذي لا يزال يفتقر إلى معارضة قادرة على منافسة الحزب الحاكم بصورة متوازنة، وهو ما أعطى النتيجة الكبيرة التي حققها حزب الازدهار شيء من البرود وكأنها نتيجة معروفة أو محسومة من قبل وفق بعض العارضين .
كما أن الفوز الكبير لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة السياسية والأمنية التي جرت فيها الانتخابات، إذ ما تزال بعض المناطق تشهد اضطرابات حالت دون إجراء الاقتراع بصورة كاملة، وهو ما يجعل نتائج الانتخابات تعبر عن نجاح تنظيمي وسياسي للحزب الحاكم، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء التحديات التي تواجه الدولة. خاصة في أقاليم تيغراي وأمهرا ومناطق من إقليمي أوروميا وبني شنقول غموز .
ومن ناحية أخرى، فإن استمرار سيطرة حزب الازدهار على البرلمان والمجالس الإقليمية يمنحه قدرة كبيرة على تمرير السياسات والإصلاحات، لكنه يحمّله في المقابل مسؤولية أكبر أمام المواطنين، بعدما أصبح يمتلك أغلبية تمكنه من تنفيذ برامجه دون وجود معارضة برلمانية مؤثرة يمكن تحميلها مسؤولية الإخفاقات.
تحديات المرحلة المقبلة
يدخل حزب الازدهار ولايته الجديدة وسط ملفات معقدة تتطلب معالجات تتجاوز الانتصار الانتخابي، وفي مقدمتها استكمال تنفيذ اتفاق بريتوريا في تيغراي والذي لا يزال يمثل بؤرة صراع ليس بين تيغراي وأديس أبابا وإنما بين الأخيرة وجارتها الشمالية إريتريا، كما أن احتواء التوترات الأمنية في أمهرة وأوروميا يمثلان احدى أهم وأكبر التحديات الأمنية والتعقيدات السياسية.
هذا بجانب أهمية إنجاح مشروع ومسار الحوار الوطني الشامل في إثيوبيا والذي أعلنت مفوضيته مؤخراً بانطلاقة فعاليتها منتصف الشهر المقبل، فضلاً عن معالجة الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعزيز فرص الاستثمار، وخلق وظائف تستوعب النمو السكاني المتسارع.
وهناك تحديات خارجية شكلتها طموحات حكومة حزب الازدهار ومساعيها في الحصول على منفذ بحري، ترتبت عليه اهتزاز علاقات أديس أبابا مع أسمرا ومقديشو وإن كان الأخيرة إعادة مسارها وساطة تركية، كما أن طموحات أديس أبابا وعلاقات مع بعض المحاور الإقليمية أدت إلى تدهور علاقاتها مع الخرطوم، جميعها اهتزازات تحتاج إلى إعادة ضبط مع مشكلات أخرى كان قد أحدثها مشروع سد النهضة الإثيوبي واعاق مسار علاقات أديس أبابا مع القاهرة والخرطوم أيضاً .
كما ينتظر أن يعيد البرلمان الجديد انتخاب آبي أحمد رئيساً للوزراء عند انعقاده في أكتوبر المقبل، إيذاناً ببدء ولاية جديدة ستكون أكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على ترجمة التفويض الشعبي إلى نتائج عملية يشعر بها المواطن في حياته اليومية وتلك معضلة يبدو أمر تحقيقها بعيداً إذا ما نظرنا للواقع الذي تعيشه البلاد.
من جانب آخر تكشف الانتخابات العامة السابعة أن حزب الازدهار نجح مرة أخرى في تثبيت موقعه باعتباره القوة السياسية الأكثر نفوذاً في إثيوبيا، وحصل على تفويض انتخابي واسع يمنحه فرصة لمواصلة مشروعه الإصلاحي، غير أن هذا التفويض، على اتساعه، لا يلغي حجم التحديات التي تواجه الدولة، بل يضاعف مسؤولية الحزب والحكومة في تحويل الأغلبية البرلمانية إلى استقرار سياسي وتنمية اقتصادية وإصلاح مؤسسي شامل.
وبقدر ما شكلت الانتخابات رسالة تؤكد استمرار هيمنة الحزب الحاكم، فإنها فتحت أيضاً مرحلة جديدة سيكون معيار نجاحها الحقيقي مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق الأمن في الأقاليم المضطربة، واستكمال المصالحة الوطنية، وإنجاح الحوار الوطني، وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. وعليه، فإن السنوات الخمس المقبلة لن تُقاس بنتائج صناديق الاقتراع، بقدر ما ستُقاس بمدى قدرة السلطة على تحويل هذا التفويض الانتخابي إلى إنجازات ملموسة تعزز الاستقرار وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يرسخ مكانة إثيوبيا كإحدى القوى المحورية في القرن الأفريقي، وهذا بحد ذاته يتطلب أعادة صياغة علاقات أديس أبابا الخارجية لا سيما جيرانها أسمرة والخرطوم، وتعزيز مسار المصالحة مع مقديشو.


لا تعليق