Photo 2026 06 02 19 40 32

الانتخابات الإثيوبية 2026.. مشاركة واسعة برقابة أفريقية.. وتمديد ساعات الاقتراع

                                                                                             بقلم / أ. عمر أبو رهف  

شهدت إثيوبيا، الإثنين الموافق الأول من يونيو 2026، انطلاق الانتخابات العامة السابعة في واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ سنوات، وسط مشاركة واسعة الناخبين دفعت مجلس الانتخابات لتمددي ساعات العلمية الانتخابية إلى منتصف الليل، برقابة أفريقية وغياب أوروبي بعد رفض الحكومة.

وتُجرى الانتخابات لاختيار أعضاء البرلمان الفيدرالي والمجالس الإقليمية، ضمن أكبر عملية اقتراع تشهدها البلاد منذ اعتماد النظام الفيدرالي القائم على القوميات بموجب دستور 1995، وسط مشاركة واسعة من الأحزاب السياسية والمرشحين المستقلين، واستعدادات لوجستية وأمنية واسعة أشرفت عليها الهيئة الوطنية للانتخابات الإثيوبية.

وانطلقت عملية التصويت رسمياً عند الساعة السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي، مع فتح مراكز الاقتراع في مختلف الأقاليم، وسط انتشار مكثف للموظفين والمراقبين والقوات الأمنية، فيما قررت الهيئة تمديد التصويت خمس ساعات إضافية حتى منتصف الليل بسبب الإقبال الكثيف في عدد من المراكز.

مسار العملية الانتخابية وأبرز الأرقام

سجلت الهيئة ” مجلس الانتخابات” أكثر من 53 مليون ناخب، بينهم نحو 27.3 مليون رجل و23.1 مليون امرأة، مقارنة بنحو 37 مليون ناخب في انتخابات 2021، في مؤشر على اتساع قاعدة المشاركة السياسية رغم التحديات الأمنية.

ويتنافس في الانتخابات 42 حزباً سياسياً و73 مرشحاً مستقلاً على 547 مقعداً في البرلمان الفيدرالي، إضافة إلى 2764 مقعداً في المجالس الإقليمية، عبر أكثر من 48 ألف مركز اقتراع موزعة في أنحاء البلاد، فيما دفعت الهيئة بنحو 195 ألف موظف لإدارة العملية الانتخابية.

يشار إلى أن الهيئة الوطنية للانتخابات، أعلنت تنظيم الاقتراع في الأول من يونيو 2026، لتبدأ بعدها سلسلة من الترتيبات الفنية والتنظيمية شملت تجهيز مراكز الاقتراع، وفتح المكاتب الفرعية، وتدريب الكوادر الانتخابية والإدارية.

وبحسب الجدول الزمني الرسمي، جرت عملية تسجيل المرشحين بين 9 يناير و8 فبراير 2026، فيما استمرت عملية تسجيل الناخبين من 23 يناير حتى 16 مارس، بالتزامن مع الحملات الانتخابية والمناظرات السياسية التي انتهت قبيل الاقتراع مع دخول البلاد مرحلة “الصمت الانتخابي”.

خريطة الاقتراع والمناطق المستثناة

أُجريت الانتخابات في 11 إقليماً من أصل 12، إضافة إلى مدينتي أديس أبابا ودير داوا، بينما غاب إقليم تيغراي عن العملية الانتخابية بعد تعليق التسجيل القانوني لجبهة تحرير شعب تيغراي، إلى جانب تأجيل التصويت في 46 دائرة انتخابية بسبب الأوضاع الأمنية واللوجستية، منها 38 دائرة في تيغراي و8 دوائر في إقليم أمهرا.

ويحق لنحو 54 مليون ناخب من أصل أكثر من 130 مليون نسمة الإدلاء بأصواتهم، فيما يُنتظر إعلان النتائج الرسمية بحلول 11 يونيو الجاري.

أهمية الانتخابات وطبيعة النظام السياسي

تكتسب الانتخابات الإثيوبية أهمية خاصة باعتبارها لا تقتصر على تحديد شكل الحكومة المقبلة فحسب، بل تمتد لتعيد تشكيل موازين القوى داخل الأقاليم التي تتمتع بصلاحيات واسعة في إطار النظام الفيدرالي القائم على القوميات. وتشمل العملية الانتخابية اختيار أعضاء “مجلس نواب الشعب” الفيدرالي، إلى جانب انتخاب المجالس الإقليمية التي تتولى بدورها اختيار ممثلي “مجلس الاتحاد”، الغرفة العليا في البرلمان الإثيوبي، بما يجعل هذا الاستحقاق محورياً في رسم التوازنات السياسية والإدارية للدولة خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي هذا الاستحقاق بعد خمس سنوات من انتخابات عام 2021 التي أُجريت في ظل حرب تيغراي وتصاعد التوترات المسلحة في عدد من الأقاليم، الأمر الذي يمنح الانتخابات الحالية أبعاداً سياسية وأمنية شديدة الحساسية، ويضعها في سياق محاولة الدولة تجاوز آثار سنوات من الصراعات والانقسامات الداخلية.

وتشهد البلاد هذا الاستحقاق الانتخابي بعد استكمال الترتيبات الفنية واللوجستية الخاصة بعملية التصويت، وسط متابعة من جهات رقابية محلية ودولية، في دولة تُعد ثاني أكبر بلدان أفريقيا من حيث عدد السكان، وأحد أبرز الفاعلين السياسيين والأمنيين في منطقة القرن الأفريقي.

ويرى مراقبون أن الانتخابات الحالية تمثل اختباراً مهماً لقدرة الدولة الإثيوبية على تعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ مؤسساتها الديمقراطية، في وقت تتابع فيه دول الجوار والشركاء الدوليون مخرجات هذا الاستحقاق وما قد يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على مستقبل منطقة القرن الأفريقي، وعلى التوازنات السياسية والأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية على مستوى القارة الأفريقية والعالم النامي.

وتتجاوز أهمية هذه الانتخابات الإطار الداخلي الإثيوبي، بالنظر إلى الثقل الجيوسياسي الذي تمثله البلاد في القرن الأفريقي، حيث تقع إثيوبيا في قلب منطقة استراتيجية تربط شرق أفريقيا بالبحر الأحمر وممرات التجارة الدولية، كما تتشارك الحدود مع ست دول، ما يمنحها تأثيراً مباشراً في ملفات الأمن الإقليمي والاستقرار والهجرة ومكافحة الإرهاب والتكامل الاقتصادي في شرق أفريقيا.

وعلى المستوى الشعبي، تباينت مواقف المواطنين تجاه الانتخابات بين التفاؤل والحذر، إذ ينظر كثير من الناخبين إلى الاقتراع باعتباره فرصة للمشاركة في رسم مستقبل البلاد وتعزيز الاستقرار السياسي وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بينما يبدي آخرون مخاوف مرتبطة باستمرار التحديات الأمنية وتداعيات النزاعات التي شهدتها بعض المناطق خلال السنوات الأخيرة، مع تأكيدهم في الوقت ذاته على أهمية استمرار المسار الديمقراطي والحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها.

المشهد الحزبي وفرص المنافسة

يتصدر حزب الازدهار الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد المشهد الانتخابي، ساعياً للحفاظ على أغلبيته البرلمانية التي حققها في انتخابات 2021، مستنداً إلى ملفات اقتصادية وتنموية ومشروعات استراتيجية أبرزها سد النهضة.

وفي المقابل، تخوض أحزاب المعارضة الانتخابات ببرامج ورؤى متباينة، من أبرزها حزب “إيزيما”، والحركة الوطنية للأمهرا، وحزب الحرية والمساواة، إضافة إلى تحالف “من أجل وحدة إثيوبيا” الذي يضم أربعة أحزاب ويُعد ثاني أكبر تكتل معارض في البلاد.

ورغم تعدد الأحزاب المشاركة، تشير قوى معارضة إلى وجود تحديات تتعلق بتكافؤ الفرص وهيمنة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة والإعلام، فضلاً عن تأثير الأوضاع الأمنية على النشاط السياسي في بعض المناطق.

وفي هذا السياق، اعتبر مركز “تشاتام هاوس” البريطاني أن الانتخابات الحالية مرشحة لأن تكون من أقل الاستحقاقات تنافسية منذ اعتماد التعددية السياسية عام 1991، مشيراً إلى أن هيمنة حزب الازدهار واتساع الانقسامات داخل المعارضة أضعفا فرص المنافسة الحقيقية.

كما تواجه المعارضة تحديات مرتبطة بالانقسامات الداخلية وضعف الموارد المالية، إلى جانب وجود قيادات سياسية في المنفى أو السجون، بينما ترى بعض الجماعات المسلحة أن العمل المسلح أكثر جدوى من المشاركة السياسية.

التحديات الأمنية وتأثير النزاعات المسلحة

جرت الانتخابات الإثيوبية وسط استمرار التوترات الأمنية في عدد من الأقاليم، خاصة أمهرا وأوروميا، إلى جانب استمرار تداعيات حرب تيغراي رغم اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022، ما أثار تساؤلات حول قدرة الانتخابات على إنتاج تسوية سياسية شاملة.

وفي إقليم أمهرا، هدّدت مليشيات “فانو” القومية بتعطيل العملية الانتخابية، بينما ألغت الهيئة التصويت في ثماني دوائر بسبب الوضع الأمني، في وقت تواصل فيه الجماعة المسلحة سيطرتها على أجزاء واسعة من الريف منذ عام 2023.

كما لا يزال “جيش تحرير أورومو” ينشط في أجزاء من إقليم أوروميا، رغم تأكيد الهيئة الوطنية للانتخابات افتتاح مراكز الاقتراع في جميع مناطق الإقليم.

أما في تيغراي، فرغم توقيع اتفاق السلام عام 2022 لإنهاء الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين، لا تزال التوترات السياسية والأمنية قائمة، خاصة بعد تحركات سياسية أخيرة لجبهة تيغراي لإعادة فرض نفوذها داخل الإدارة الإقليمية، الأمر الذي أثار مخاوف من اندلاع اضطرابات جديدة.

الحملات الانتخابية والمناظرات السياسية

شهدت الحملة الانتخابية تنظيم مناظرات سياسية للمرة الأولى بإشراف مباشر من الهيئة الوطنية للانتخابات، بمشاركة 33 حزباً ناقشت ملفات الاقتصاد والأمن والوحدة الوطنية والإصلاح الدستوري والسياسة الخارجية.

وبرز خلال الحملات جدل واسع حول مستقبل النظام الفيدرالي، حيث دافع حزب الازدهار عن استمرار النظام الحالي باعتباره الأنسب لإدارة التنوع الإثيوبي، بينما طالبت قوى معارضة بإجراء تعديلات دستورية واسعة، ودعت أطراف أخرى إلى إعادة النظر في النظام الفيدرالي القائم بالكامل.

كما حضرت ملفات السياسة الخارجية بقوة في الخطاب الانتخابي، لا سيما قضايا البحر الأحمر ونهر النيل والعلاقات مع السودان ومصر، وسط توقعات باستمرار السياسة الإثيوبية الداعمة لتعزيز النفوذ الإقليمي والاستفادة من الموارد المائية.

مراقبة أفريقية ودولية للعملية الانتخابية

أشرف على متابعة الانتخابات مراقبون من الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد”، في حين رفضت إثيوبيا مقترحاً أوروبياً لإرسال بعثة مراقبة دولية، حيث أوفد الاتحاد الأفريقي بعثة تضم 59 مراقباً برئاسة الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، بينما نشرت منظمة “إيغاد” بعثة تضم 26 مراقباً لمتابعة سير العملية الانتخابية في مختلف الأقاليم.

وقال كينياتا، رئيس بعثة مراقبة الاتحاد الأفريقي، إن الانتخابات تمثل “مرحلة مهمة في مسار التحول السياسي والدستوري في إثيوبيا”، مؤكداً أهمية الحفاظ على السلمية والشفافية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات الانتخابية.

وأضاف أن مشاركة الناخبين والإقبال الملحوظ في عدد من المراكز يعكسان “رغبة الإثيوبيين في الانخراط في العملية السياسية رغم التحديات القائمة”، داعياً جميع الأطراف السياسية إلى احترام القانون واللجوء إلى الآليات الدستورية لمعالجة أي خلافات انتخابية.

كما أشادت البعثة الأفريقية بالإجراءات اللوجستية التي اتخذتها الهيئة الوطنية للانتخابات، مع التأكيد على ضرورة معالجة التحديات الأمنية وضمان مشاركة جميع المناطق في الاستحقاقات المقبلة.

السيناريوهات المتوقعة وملامح المرحلة المقبلة

ترجح غالبية التقديرات استمرار حزب الازدهار في صدارة المشهد السياسي وتحقيقه فوزاً واسعاً، في ظل ضعف المعارضة واتساع الانقسامات الداخلية، إلى جانب سيطرة الحزب الحاكم على المشهد السياسي والإداري.

ويرى مراقبون أن أهمية الانتخابات لا تقتصر على تحديد الفائزين، بل تمتد إلى رسم ملامح مستقبل النظام الفيدرالي والسياسات الداخلية والخارجية لإثيوبيا خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية.

كما يبرز العامل الاقتصادي بوصفه أحد العناصر المؤثرة في المزاج الانتخابي، إذ يواصل الاقتصاد الإثيوبي تحقيق معدلات نمو مرتفعة تُعد من بين الأسرع عالمياً، مدفوعاً بالاستثمارات في البنية التحتية والصناعة والإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها حكومة آبي أحمد، رغم ما تسببت به بعض تلك السياسات من أعباء معيشية على المواطنين.

وفي المحصلة، تبدو الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 اختباراً سياسياً وأمنياً حاسماً للدولة الإثيوبية، ليس فقط من حيث قدرتها على تنظيم اقتراع واسع النطاق، بل أيضاً من حيث قدرتها على تحويل العملية الانتخابية إلى مدخل لتخفيف الانقسامات الداخلية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والقوى السياسية المختلفة.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *