الدِّلف والمِزراب: السيادة بين استبداد الداخل وارتهان الخارج
مدخل: حين تتحول السيادة إلى درع للسلطة.
إرتريا دولة مستقلة ذات سيادة، واستقلالها حق وطني لا يتوقف على طبيعة النظام الحاكم في أسمرا، كما أن معارضة هذا النظام لا تنتقص من استقلال البلاد، ولا تمنح أي قوة خارجية حق تقرير مستقبلها.
هذه الحقيقة تمثل نقطة الانطلاق لفهم المأزق الإريتري في ظل التوتر مع إثيوبيا، وما يكشفه من تباين في المواقف بين من يربط حماية السيادة بالاصطفاف خلف النظام، ومن يرفض الاستبداد من دون أن يتمكن من بناء أدوات فاعلة للتغيير، ومن يدفعه العجز أو اليأس إلى التعويل على إثيوبيا لإسقاط السلطة في أسمرا.
يستحضرني هنا المثل الشعبي العربي «الدِّلف والمِزراب»، الذي يجسد حكمة بسيطة في صورتها وعميقة في دلالتها. فالدِّلف هو الماء المتسرب من سقف البيت، والمِزراب هو الموضع الذي يندفع منه الماء المتجمع بغزارة. وحين يهرب الإنسان من التسرب ليقف تحت المِزراب، فإنه ينتقل من ضرر محدود إلى ضرر أشد. وهكذا، فإن الهروب من مشكلة من دون معالجة أسبابها قد يقود إلى مأزق أكبر بدلاً من الخلاص منها.
وفي الحالة الإرترية، تتضح الدلالة السياسية للمثل في مأزق الوقوع بين استبداد داخلي وارتهان خارجي؛ فالتعويل على الخارج للخلاص من النظام قد يفضي إلى إخضاع القرار الوطني لحسابات لا تخدم بالضرورة مصالح الإرتريين، فيما لا تبرر الخشية من التدخل الخارجي استمرار الاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات. والمطلوب ليس المفاضلة بينهما، ولا المساواة بينهما، وإنما تجاوز هذه الثنائية ببناء خيار وطني مستقل يجمع بين الحرية والسيادة، ويضمن حق الإرتريين في تقرير مصيرهم بعيداً عن هيمنة السلطة أو توظيف القوى الخارجية لمعاناتهم.
ثلاثة عقود من السيادة المصادَرة
أخطر ما فعله النظام الإرتري أنه لم يكتفِ باحتكار السلطة، بل سعى إلى احتكار المعنى السياسي للوطنية نفسها. فاختزل الانتماء الوطني في الولاء للحاكم، وجعل الاعتراض على الاستبداد قرينة على ضعف الوطنية، واستخدم التهديدات الخارجية لتبرير إغلاق المجال السياسي وتعطيل المساءلة وتأجيل الحقوق والحريات إلى أجل غير مسمى. وبهذا المنطق، لم تعد السيادة حقاً للشعب ودعامة لاستقلال الدولة، وإنما تحولت إلى امتياز سياسي تستند إليه السلطة كلما طُرحت أسئلة عن شرعيتها وممارساتها ومسؤوليتها.
السيادة ليست صك ملكية يمنح الحاكم حصانة من النقد، ولا تفويضاً مفتوحاً يسمح له بإدارة الدولة خارج القانون والمحاسبة. إنما هي حق للدولة والشعب، وواجب على السلطة أن تصونهما معاً.
وكل محاولة لدمج بقاء النظام ببقاء الوطن ليست سوى ابتزاز سياسي يراد به إقناع الإرتريين بأن البديل عن الاستبداد هو الفوضى، وأن الاعتراض على الحاكم خدمة لأعداء البلاد.
وقد كشفت حرب تقراي التناقض بين الخطاب والممارسة على نحو يصعب تجاهله. فمشاركة القوات الإرترية في الحرب داخل إثيوبيا إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية، وما نُسب إليها ووثقته منظمات حقوقية من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تضع النظام أمام أسئلة تتجاوز تبريراته الأمنية والعداء التاريخي لجبهة تحرير شعب تقراي. فالمخاوف الأمنية، مهما كانت دوافعها، لا تلغي مسؤولية السلطة عن قراراتها العسكرية، ولا تجعل حقوق المدنيين أمراً ثانوياً، ولا تمنحها حق تجاهل سيادة الدولة التي جرى التدخل في أراضيها.
المشكلة هنا ليست في أن لإرتريا مصالح أمنية معقدة مع إثيوبيا، وإنما في أن السلطة التي تطالب الآخرين باحترام سيادتها مطالبة بتقديم تفسير سياسي وقانوني متسق لتدخلها خارج حدودها.
فلا يجوز أن تصبح السيادة مبدأ مطلقاً عندما يتعلق الأمر بأسمرا، ومبدأ قابلاً للتجاوز عندما يتعلق الأمر بمصالح النظام أو خصومه.
والتناقض أشد وضوحاً لدى مؤيدي السلطة الذين احتفوا بالمشاركة الإرترية في حرب تقراي باعتبارها انتصاراً على خصم تاريخي، من دون إخضاع القرار العسكري للمعيار نفسه الذي يستدعيونه اليوم دفاعاً عن سيادة إرتريا. فحين تكون الدولة المجاورة ساحة لتصفية الحسابات مع خصم سياسي، تتراجع في خطابهم قيمة السيادة وحقوق المدنيين؛ وحين يتغير ميزان المصالح ويظهر خلاف مع أديس أبابا، تصبح السيادة فجأة خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه.
ليس هذا دفاعاً عن إثيوبيا، ولا تقليلاً من خطورة أي تهديد يمس استقلال إرتريا. إنما هو رفض صريح لازدواجية المعيار.
فمن يبرر التدخل الخارجي عندما يخدم السلطة، ثم يدينه عندما تصبح بلاده المستهدفة، لا يدافع عن مبدأ وطني ثابت، وإنما يمنح السلطة حقاً استثنائياً في تفسير المبادئ وفق مصالحها.
والأشد خطورة أن يتحول هذا التبرير إلى وظيفة سياسية لمؤيدي النظام. تسويغ القرارات مهما تناقضت، وتخوين المعترضين مهما كانت حججهم، والتعامل مع سجل السلطة كما لو كان خارج نطاق التقييم. الدفاع عن الدولة لا يقتضي الدفاع عن كل قرار يتخذه الحاكم، والوطنية لا تُقاس بمدى الاستعداد لتبرير أخطائه، وإنما بالقدرة على التمييز بين المصالح الوطنية ومصالح السلطة، وبين حماية استقلال البلاد ومنح المستبد حصانة دائمة.
المعارضة ومأزق القدرة على التغيير.
في مقابل تناقضات السلطة وخطاب مؤيديها، تواجه المعارضة الإرترية مأزقاً لا يمكن تجاهله. فلا تكفي مشروعية الاعتراض على الاستبداد لإثبات القدرة على تغييره، كما لا يضمن التمسك بالسيادة امتلاك الوسائل اللازمة لحمايتها.
والمشكلة التي تواجه المعارضة الإرترية لا تقتصر على اختلال موازين القوة وإغلاق المجال السياسي داخل البلاد، وإنما تشمل أيضاً تعثرها الطويل في تحويل مطلب التغيير إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على التأثير. فعلى الرغم من سنوات المعارضة، لم يتحقق اختراق ملموس يكفي لتغيير موازين القوى في الداخل أو لبناء قاعدة اجتماعية منظمة تسند مشروعاً وطنياً بديلًا، كما لم تُترجم العلاقات الخارجية والاتصالات السياسية بالقدر الكافي إلى مواقف ومبادرات مؤثرة في مسار الأزمة.
ولا يعني ذلك تحميل المعارضة مسؤولية استمرار النظام وحدها، أو تجاهل القيود التي فرضها غياب الحريات وصعوبة العمل المستقل وتشتت القوى السياسية وتباين رؤاها. لكن تفسير هذه القيود لا يغني عن مراجعة حصيلة التجربة وأساليب العمل. فالسؤال لم يعد متعلقاً بأسباب تعثر التغيير فحسب، وإنما بما أُنجز لبناء قوة منظمة، وتوسيع الصلة بالمجتمع الإرتري، وتوحيد الرؤية بشأن الدولة المنشودة، وتحديد وسائل الضغط التي يمكن أن تؤثر في حسابات النظام.
وفي الخارج، لا يُقاس النجاح بكثرة اللقاءات والبيانات، وإنما بمدى خدمة العلاقات السياسية لاستقلال القرار الوطني وأهداف التغيير.
وتزداد أهمية هذه المراجعة مع تصاعد التوتر بين أسمرا وأديس أبابا؛ فالأزمة لا تمنح المعارضة فرصة تلقائية لإحداث التحول، كما أن ضعف النظام أو انشغاله بالتهديدات الخارجية لا يعني بالضرورة اقتراب سقوطه. فقد تدفع المخاوف الأمنية قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول السلطة، أو تمنحها مبرراً لتشديد قبضتها. لذلك لا يشكل انتظار الانهيار استراتيجية سياسية ما لم يقترن باستعداد تنظيمي ورؤية واضحة لإدارة المرحلة التالية.
ويتمثل الاختبار الحقيقي للمعارضة في قدرتها على الانتقال من إعلان هدف إسقاط النظام إلى تحديد خطوات عملية للتغيير، وتصور واقعي للمرحلة الانتقالية، وضمانات لاستمرار مؤسسات الدولة وحماية حدودها، ورؤية لمستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وقواعد جديدة للعلاقة بين السلطة والمجتمع تقوم على المشاركة والمساءلة.
كما يتطلب الأمر مراجعة أسباب الانقسام، وحدود الرهان على الدعم الخارجي، والفجوة بين القوى السياسية والمجتمع، حتى لا يتحول العجز عن الفعل إلى واقع دائم يجري التعايش معه.
ضعف المعارضة لا يمنح النظام شرعية، كما أن أخطاء النظام لا تمنح المعارضة صكاً مفتوحاً في إدارة المستقبل. فالشعب الإرتري لا يحتاج إلى مفاضلة مفتوحة بين سلطة مستمرة ومعارضة لم تستكمل أدوات المواجهة. والمطلوب هو تجاوز السياسة القائمة على انتظار الفرص الخارجية إلى بناء مشروع وطني قادر على توحيد القوى، وتحديد أهداف التغيير، وتقديم ضمانات واضحة بشأن وحدة البلاد وسيادتها والتعددية السياسية وتداول السلطة.
إثيوبيا وحدود الرهان الخارجي.
قد ينطلق التعويل على إثيوبيا لإسقاط النظام الإرتري من الاعتقاد بأن انسداد المجال السياسي وطول أمد الحكم يجعلان التدخل الخارجي الطريق الأقصر لإنهاء الوضع القائم. غير أن هذا الرهان يتجاهل الفارق بين الاستفادة من الضغوط الدبلوماسية الدولية وبين إسناد مهمة التغيير إلى دولة مجاورة لها مصالحها وحساباتها الخاصة.
فإثيوبيا ليست طرفاً محايداً في مستقبل إرتريا، ومصالحها ترتبط بالأمن الإقليمي والموقع الجغرافي والمنافذ البحرية. ولا يثبت ذلك أنها تتبنى خطة محددة لإسقاط النظام أو إعادة تشكيل إرتريا، لكنه يجعل من غير الواقعي افتراض أن أهدافها تتطابق تلقائياً مع تطلعات الإرتريين.
وتبرز خطورة هذا الرهان في ضوء الجدل حول الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. فالمسألة لا تتعلق بطبيعة النظام في أسمرا وحدها، ولا يمكن اختزالها في حاجة إثيوبيا إلى تنويع خياراتها التجارية؛ إذ إن تحويل الحاجة الاقتصادية إلى مطلب استراتيجي يمس سيادة دولة أخرى يفتح المجال لتنافس إقليمي تتجاوز حساباته مسألة تغيير السلطة. ومن ثم فإن النظر إلى التوتر بين البلدين من زاوية إسقاط النظام الإرتري وحدها يغفل ارتباط الأزمة بمصالح الدولة الإرترية وموقعها الجغرافي وحقها في تقرير كيفية إدارة أراضيها وموانئها.
ولا يعني ذلك أن التعامل مع القوى الخارجية خطأ في ذاته، أو أن كل من يدعو إلى التغيير مستعد للتفريط في السيادة. فالضغط الدبلوماسي وبناء العلاقات الدولية يمكن أن يوفرا أدوات مهمة لدعم الحقوق السياسية، شريطة أن يظلا جزءًا من استراتيجية وطنية مستقلة.
أما تعليق التغيير على إرادة دولة أخرى، فيجعل مساره رهين حسابات لا يملك أصحاب الرهان التحكم فيها، وقد يفضي إلى استبدال تبعية بأخرى أو إلى صراع تتجاوز نتائجه الهدف المعلن.
بناء البديل الوطني واستعادة القرار.
لا يكتمل مشروع التغيير بمجرد الاتفاق على إنهاء النظام، وإنما ببلورة تصور واضح للدولة التي يراد بناؤها والقواعد التي ستنظم الانتقال إليها. فالتحدي هو ضمان ألا يؤدي سقوط السلطة إلى فراغ سياسي أو صراع على الحكم أو إعادة إنتاج الاحتكار بصيغة جديدة.
ويتطلب ذلك ميثاقاً وطنياً يحدد المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها استقلال إرتريا ووحدة أراضيها، وضمان الحقوق والحريات، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وخضوع مؤسسات الدولة للقانون.
كما يتطلب تحديد آلية الانتقال، وطريقة تشكيل السلطة المؤقتة، وحدود صلاحياتها ومدتها، وآليات مراقبتها ومحاسبتها، وصولاً إلى انتخابات حرة تتيح للإرتريين اختيار حكامهم.
ويجب أن يشمل المشروع ضمان استقلال القضاء، وحرية التنظيم السياسي والإعلامي، وإصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية بما يضمن خضوعها لسلطة مدنية شرعية، ويمنع توظيفها في الصراع الحزبي. كما ينبغي أن تخضع العلاقات الخارجية والاتفاقات المتعلقة بالأمن والموارد والسيادة للمساءلة المؤسسية، حتى لا تصبح التفاهمات السرية أو المصالح المرحلية بديلاً عن إرادة الشعب.
ولا تُختبر جدية القوى الساعية إلى التغيير بالشعارات التي ترفعها ضد النظام وحدها، وإنما بمدى استعدادها لقبول القيود المؤسسية على سلطتها المقبلة، وضمان حق خصومها في المنافسة وحق المواطنين في المحاسبة. فالمشروع الوطني ليس اتفاقاً لإزاحة الحاكم فحسب؛ انما هو اتفاق على ألا يعود أي حاكم إلى احتكار الدولة أو استخدام السيادة لإسكات المجتمع.
إن بناء البديل الوطني ليس مسألة مؤجلة إلى ما بعد التغيير، وإنما شرط من شروطه، لأنه يحدد منذ البداية طبيعة التحول وحدوده والجهة التي تملك القرار بشأن مستقبله. وكلما اتضحت قواعد المرحلة الانتقالية وضمانات الدولة الدستورية، تراجعت احتمالات أن يتحول التغيير إلى صراع على السلطة أو مدخل لاعتماد جديد على الخارج. أما ترك هذه القضايا معلقة، فيعني أن القوى المعارضة قد تنجح في توحيد موقفها من النظام، من دون أن تمتلك تصوراً مشتركاً لإدارة الدولة بعده. والمطلوب، في نهاية المطاف، ليس مجرد انتقال في شاغلي السلطة، وإنما تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، تصبح فيها السيادة حقاً وطنياً مصوناً، والسلطة مسؤولية محددة، والتغيير مساراً سياسياً يحتكم إلى إرادة الإرتريين.
لا سيادة للسلطة على حساب الشعب.
تكشف الأزمة الإرترية أن الاستبداد وتعثر المعارضة ومخاطر الارتهان للخارج ليست أزمات منفصلة، بل هي وجوه مترابطة لمأزق واحد يتمحور حول سؤال جوهري:
من يملك حق تقرير مستقبل البلاد؟
لقد حوّل النظام السيادة إلى درع يحتمي به من المساءلة، وساهم خطاب مؤيدوه في تبرير هذا الاحتكار حين جعل الولاء للسلطة معياراً للوطنية، بينما كشفت حرب تقراي والتحولات اللاحقة أن السيادة لا يمكن أن تكون مبدأً انتقائياً يتغير وفق هوية الحليف والخصم.
فمن يطالب باحترام سيادة إرتريا لا يستطيع تجاهل الأسئلة التي يطرحها تدخل القوات الإرترية في حرب داخل دولة مجاورة، ومن يدافع عن الوطن لا يجوز له أن يخلط بين حماية الدولة وتبرير كل خيارات النظام.
وفي المقابل، لا يملك تعثر المعارضة أن يتحول إلى مبرر للتسليم بالاستبداد، كما لا يبرر البحث عن التغيير الارتهان لإرادة دولة خارجية.
فالتخلص من سلطة مستبدة لا يمثل انتصاراً وطنياً إذا انتهى إلى تقليص استقلال القرار أو فرض ترتيبات لا يملك الإرتريون تقريرها. المعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع واضح. حق الشعب في اختيار نظامه، وحق الدولة في صون سيادتها، ورفض تحويل أي منهما إلى ذريعة لانتهاك حقوق الآخرين.
وإلى أن يمتلك الإرتريون مشروعاً وطنياً مستقلاً يجمع بين إنهاء الاستبداد وصون السيادة، سيظل الشعب الإرتري يبحث عن سقف يحميه من الدِّلف، من دون ضمان ألّا يقوده هروبه من ضرر الداخل إلى ضرر أشد يأتيه من الخارج. فالمخرج لا يكمن في استبدال مصدر للمعاناة بآخر، وإنما في استعادة حقه في تقرير مصيره؛ وإلا فسيظل، كلما ظن أنه نجا من البلل، يجد نفسه واقفاً من جديد تحت بلل المِزراب.


لا تعليق