ChatGPT Image Apr 16 2026 10 38 29 PM

اعتماد الدستور الصومالي: إنجاز تاريخي أم أزمة سياسية متفاقمة

بقلم الأستاذ / عبد الرحمن حسن

المقدمة

في الرابع من مارس 2026، شهدت الصومال حدثا مفصليا تسبب في زلزال سياسي: فبينما احتفلت الحكومة الفيدرالية في مقديشو بانتهاء أكثر من عقد من الحكم المؤقت عبر إقرار دستور دائم، أعلنت المعارضة وحكام الولايات رفضهم لما وصفوه بـالانفراد بالقرار المصيري. هذا المشهد المتشابك يعكس جوهر اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد، حيث يلتقي إنجاز طال انتظاره مع أزمة ثقة سياسية متزايدة تهدد بتقويض أسس النظام الفيدرالي نفسه. وعليه يتناول هذا المقال مسيرة اعتماد الدستور الصومالي من بداياته الأولى وحتى توقيعه، مسلطًا الضوء على التحديات التي رافقت هذه الرحلة الطويلة، وموضحًا اعتراضات المعارضة وحكام الولايات ودلالاتها، ومحللاً تداعيات هذه الخطوة على الأمة الصومالية في سياق سياسات الرئيس حسن شيخ محمود الداخلية.

مسيرة طويلة من الدستور المؤقت إلى الدائم

تعود جذور الصراع الدستوري في الصومال إلى عام 2012، عندما تم اعتماد الدستور المؤقت في نهاية الفترة الانتقالية بعد عقدين من الحرب الأهلية وانهيار الدولة المركزية عام 1991. صُمم هذا الدستور ليكون وثيقة انتقالية بامتياز، على أن يعقبه مراجعة شاملة تؤسس لدستور دائم للدولة الصومالية، لكن هذه المراجعة تأجلت مرارًا بسبب الخلافات السياسية المتعاقبة.وظل الدستور المؤقت يعمل كإطار هش للحكم، قائم على توافقات النخب السياسية بدلاً من القوانين الواضحة، حيث كان زعماء العشائر يختارون أعضاء البرلمان الذين ينتخبون بدورهم الرئيس. هذا النظام غير المباشر للانتخابات جعل من الصومال، وفق تعبير مراقبين، دولة بلا قواعد انتخابية واضحة، حيث تعمل الصفقات السياسية والنخبوية في تحديد الحكومات المتعاقبة.

وطوال الأعوام التي تلت 2012، ظلت مسألة استكمال الدستور مؤجلة باستمرار، رغم إدراك جميع الأطراف أن استمرار العمل بدستور مؤقت لأكثر من عقد من الزمن يمثل شذوذًا دستوريًا. وفي خطابه عقب إقرار الدستور الجديد، أوضح الرئيس حسن شيخ محمود أن هذا التأخير الطويل كان أحد أسباب بقاء الصومال كدولة هشة، مشددًا على أن حال البلاد لم تعد كما كانت قبل اثني عشر عامًا.

وفي الرابع من مارس 2026، عقد البرلمان الفيدرالي جلسة مشتركة لمجلسي الشعب والشيوخ، حيث صوت 223 نائبًا لصالح اعتماد الدستور الجديد، مع عدم تسجيل أي أصوات معارضة في الجلسة. أعلن رئيس مجلس الشعب الشيخ آدم محمد نور مدوبي اعتماد الوثيقة الدائمة للدستور ودخولها حيز التنفيذ فورًا. وبعد أربعة أيام فقط، وفي الثامن من مارس، وقع الرئيس حسن شيخ محمود الدستور رسميًا ليصبح قانونًا نافذًا، معلنًا أن الحكومة ستبدأ الآن التنفيذ الفعلي للدستور الجديد. ووصف رئيس الوزراء حمزة عبدي بري هذه الانعطافة السياسية بأنها تأسيس لأساس قانوني راسخ ودائم للبلاد بدلاً من الوضع الدستوري المؤقت .

ملامح الدستور الجديد والتغييرات الجوهرية

يحمل الدستور الجديد تغييرات جذرية تعيد تشكيل النظام السياسي الصومالي في عدة جوانب:

  • التحول إلى النظام الرئاسي: يعزز الدستور الدائم من صلاحيات الرئيس، حيث يمنحه سلطة تعيين وعزل رئيس الوزراء دون موافقة برلمانية، مما يقرب النظام من النموذج الرئاسي الكامل. كما ألغى منصب رئيس الوزراء نهائيًا لصالح نائب للرئيس.
  • الانتخاب المباشر: لأول مرة منذ عقود، سينتخب المواطنون أعضاء البرلمان مباشرة بالاقتراع العام، بدلاً من نظام العشائر غير المباشر. كما سينتخب أعضاء البرلمان رؤساء الولايات ورئيس الحكومة  الفيدرالية.
  • تمديد الولايات: زاد الدستور مدة الولاية الرئاسية والبرلمانية من أربع إلى خمس سنوات، مما يعني تمديد ولاية الرئيس الحالي والبرلمان لمدة عام إضافي اعتبارًا من مايو 2026 .
  • تقييد الأحزاب: حدد الدستور حدًا أقصى للأحزاب في الصومال وذلك بحد أقصى ثلاثة أحزاب على المستوى الوطني، في محاولة للحد من التشرذم السياسي.
  • آليات المساءلة: فرض الدستور الدائم إفصاح كبار مسؤولي الدولة (الرئيس، رئيس الوزراء، رئيسا البرلمان، رئيس المحكمة العليا) عن ذممهم المالية، ومنع ازدواج الجنسية لهم.

تحديات شابت مسيرة التطور الدستوري

كان من أبرز التحديات التي رافقت إجراءات إقرار الدستور هو الانقسام الحاد والمستمر بين مقديشو والأقاليم. فبينما رحبت ولايات هيرشبيلي وشمال شرق (الجديدة) وبنادر بالتغييرات، رفضتها بونتلاند وجوبالاند بشكل قاطع، بينما التزمت ولاية غلمدغ الصمت. فلقد قاطع نحو 60 نائبًا من بونتلاند وجوبالاند جلسات البرلمان المتعلقة بالدستور، كما شهدت الأيام التي سبقت التصويت توترًا حادًا واستفزازات عندما حاول نواب من بونتلاند السفر إلى غروي لحضور مشاورات مع رئيس إقليمهم، لكن طائرتهم أُعيدت إلى مقديشو رغما عنهم من قبل الحكومة الفيدرالية في خطوة وصفها رئيس الإقليم سعيد عبد الله ديني بأنها غير مسؤولة وغير قانونية. وعشية التصويت، استقال وزيرا دولة من بونتلاند هما إسماعيل بورالي (وزير الدولة للبترول) وعينانشي يوسف حسين (وزير الدولة للعمل)، واصفين إجراءات اعتماد الدستور غير صحيحة وأنهم لا يريدون المشاركة في هذه الخطوة غير الدستوري كما أنهم غير مستعدين للمضي قدما في هذه الخطوة بعيدا عن قناعات الشعب الصومالي وقياداته المختلفة ولاسيما شعب بونتلاند وحكومتهم

الأسباب والدلالات خلف اعتراضات المعارضة وحكام الولايات

شكلت قوى المعارضة تحالفًا عريضًا أطلقت عليه اسم “مجلس المستقبل الصومالي (Somali Future Council)، والذي يضم شخصيات بارزة أبرزها الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، والرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو، ورئيس بونتلاند سعيد عبد الله ديني، ورئيس جوبالاند أحمد محمد مدوبي بالإضافة إلى نخبة عريضة من رؤساء الوزراء السابقين والنواب المؤثرين. ويرى المعارضون أن الدستور الجديد يفتقر إلى الإجماع الواسع، حيث صدر دون استشارة حقيقية للولايات الأعضاء والمكونات السياسية والاجتماعية، ولقد قال الرئيس السابق فرماجو أن وثيقة الدستور تضر بالوحدة والتعايش السلمي بين أبناء الشعب الصومالي وتفتقر إلى الحوكمة الرشيدة.

ويشكل تمديد ولاية الرئيس والبرلمان لعام إضافي أحد أبرز نقاط الخلاف الأكثر حدة، فالنائب المعارض عبد الرحمن عبد الشكور انتقد بشدة هذا الأمر، وأشار إلى أن الرئيس محمود كان عضوًا في المعارضة أثناء حكومة فرماجو وذلك قبل إعادة انتخابه وقد عارض الرئيس حسن شيخ حينها بشدة محاولات مماثلة من الإدارة السابقة تمديد ولاية الحكومة.  وقال كلنا يعلم أنه عندما حاول الرئيس السابق فرماجو تمديد ولايته في عام 2021، عارضها الرئيس حسن شيخ بشدة وقد كان حينها ضمن تحالف المعارضة وقاد حركة “بَدْبَادْ قَارَن” أي حركة الخلاص الوطني للتصدي لهذه الخطوة غير الدستورية من قبل حكومة فرماجو، واليوم هو يقوم بذات الخطوة غير الدستورية، وهذا التناقض بين الموقفين يضع الرئيس حسن شيخ في قفص الاتهامات والتناقضات. وعليه فإن المعارضة تتهم الرئيس حسن شيخ بتجاوز الإجراءات المنصوص عليها في الدستور المؤقت، حيث تم تمرير التعديلات في نهاية الولاية دون المرور بآليات التوافق المطلوبة والمتفق عليها

أما حكام ولايتي بونتلاند وجوبالاند فإنهم يرون في الدستور الجديد محاولة لفرض المركزية على حساب النظام الفيدرالي، حيث قال وزير الدولة السابق عينانشي يوسف حسين إن الحكومة الفيدرالية الحالية تحاول إعادة تشكيل نظام السلطة الواحدة في الصومال، وهو نظام الحكم الذي تسبب في انهيار الصومال في مستهل التسعينات ونشأ عنه حالة من عدم الثقة السياسية فيه. من جانب آخر كان رئيس ولاية جنوب غرب عبدالعزيز لفتاغرين قد علق تعاونه مع الحكومة الفيدرالية بسبب تراكم الإحباطات من ممارسات السلطة في مقديشو تجاه ولايته، وهو الأمر الذي تطور لاحقا إلى التدخل العسكري وإسقاط حكمه بدعم غير مباشر من إحدى الدول الإقليمية البارزة كما تواترت الأنباء. وهو أمر يشي بخطورة توجهات الحكومة الفيدرالية التي يبدو أنها أكثر انفتاحا في ولايتها الجديدة على الحلول العسكرية أكثر من الحلول السياسية للأزمات المختلفة في الصومال، وهذا الأمر سبقه خطوة مماثلة سابقا في  إقليم جوبالاند إلا أن قواتها منيت بهزيمة كبيرة، كما كان لها دور عسكري غير خاف في إشعال الصراع والأحداث العسكرية في مدينة لاسعانود في شرق صوماليلاند والتي نشأ عنها ولاية جديدة غير دستورية. من جانب آخر أشارت المعارضة إلى أنه تم منع أكثر من خمسين نائبًا من المشاركة في المداولات البرلمانية، حيث قامت الحكومة الفيدرالية باحتجاز نواب بونتلاند في فندق بمقديشو .

التداعيات والمخاطر على الدولة الصومالية

لأول مرة في تاريخ الصومال ما بعد الحرب الأهلية، أصبحت البلاد باستثناء أرض الصومال تحكم بإطارين دستوريين متنافسين: الدستور المؤقت 2012 الذي يعتبره المعارضون الوثيقة الشرعية الوحيدة، والدستور الجديد الذي يعتبره المؤيدون الإطار الدائم . ولا توجد تحركات من المحكمة الدستورية للفصل في هذا الأمر، ولقد حذر الرئيس السابق فرماجو من أن الدستور الجديد سيعمق وسيعزز من الانقسامات السياسية وسيزيد من المخاطر التي تواجه جهود بناء الدولة، كما أطراف أخرى أعربت عن قلقها من عدم وجود جهود لفتح حوار بين الحكومة والمعارضة بشأن الأزمة الدستورية، مشيرة إلى أن تعديل أو تنفيذ الأحكام الدستورية الجديدة سيتطلب اتفاقًا سياسيًا شاملًا وحقيقيا لضمان الوحدة السياسية والشرعية الكاملة لهذه الخطوة. ومع قرب انتهاء الولاية الرئاسية للحكومة الحالية في مايو 2026، فإن آلية وتوقيت الانتخابات تبقى غير واضحة، وقد أعلن مجلس المستقبل الصومالي أنه لا يعترف إلا بالدستور المؤقت 2012 الذي يحدد الولاية بأربع سنوات، مما يعني أن الرئيس محمود وحكومته والبرلمان سيفتقدون الشرعية من وجهة نظرهم اعتبارًا من مايو القادم، وهو الأمر الذي سيقود البلاد إلى اختناق سياسي.

وسط هذه الأزمة، لا تزال البلاد تواجه تحديات كبيرة ومنها حركة الشباب والتي ما زالت تسيطر على مناطق واسعة في الجنوب والوسط، بالإضافة إلى أزمة الجفاف المتجددة والتي تهدد الملايين من الشعب الصومالي، كما يعاني الاقتصاد من تداعيات الصراعات الإقليمية بالإضافة إلى انتشار الفساد. وقد لخص النائب عبد الرحمن عبد الشكور المأزق السياسي الحالي بقوله أن السلطة الحالية لا تستطيع حتى تنفيذ هذا الدستور في معظم أنحاء البلاد، إذ صحيح أنها تمتلك سلطة بحكم القانون وهو الذي أوصلها لسدة الحكم، ولكنها لا تمتلك سلطات فعلية في أرض الواقع.

إن توقيت هذه الإشكالية الدستورية لافت ومثير للجدل وذلك قبل فترة قصيرة من انتهاء ولاية حكومة حسن شيخ بحسب دستور 2012، وهذا أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذه الخطوة غير الدستورية. ويرى الباحث الصومالي عبد النور ظاهر أن الخلاف حول الدستور هي معركة حول السباق الرئاسي القادم، حيث تخشى المعارضة من أن الرئيس سيستخدم تداعيات الأزمة الدستورية لتمديد ولايته وفرض المزيد من التحكم في الجدول الانتخابي لصالح إعادة انتخابه. إن الأزمة الحالية تزيد من انعدام الثقة العميق والمتزايد بين المركز والأطراف في النظام السياسي الصومال، وعليه فإنه يمكن لهذه الأزمة الدستورية أن يتم ترجمتها إلى حالة جديدة من اللاستقرار السياسي والأمني إذا استمرت الولايات والمعارضة في رفض الدستور. وهذه الأزمة تعتبر، وفق بعض المحللين أخطر اختبار سياسي للنظام الفيدرالي الصومالي منذ نشأته من بعد الحرب الأهلية حيث إن هنالك احتمالات متزايدة إلى تحول الخلاف الدستوري إلى أزمات سياسية أكبر من ذي قبل ومنها المواجهة العسكرية التي بدأت شرارتها في فعليا في ولاية جنوب غرب.

ختاما وبالرغم من أن الدولة الصومالية والشعب الصومالي كان بحاجة إلى صياغة واعتماد الدستور الصومالي الدائم لإنهاء عقد ونيف من الحكم المؤقت رسميا إلا أن المسارات السياسية لتمرير الدستور واعتماده في ظل غياب الإجماع الوطني، وبمقاطعة الولايات الرئيسية، وفي خضم التمديد المتوقع والمثير للجدل لولاية الرئيس حسن شيخ قد يحول الأمر برمته إلى برميل بارود قد يهدد بتفكيك المشروع الفيدرالي الهش. وعليه فإن الصومال ليس بحاجة إلى دستور على الورق فقط، وإنما إلى توافق سياسي يعيد بناء الثقة بين مقديشو والولايات، ويؤسس لانتخابات نزيهة، ولمواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية الماثلة. وإلا فإن بوادر الأمل الذي صاحب الدستور الجديد قد لا تبقى طويلاً قبل أن تغيب شمسه في ظل أفق الانقسامات والصراعات المتزايدة.


الإحالات والمراجع

  • [1] GhanaWeb / The EastAfrican, “Wrangles over election date have Somalia on edge”, 19 March 2026 
  • [2] allAfrica.com, “Ex-Somali President Farmaajo Opposes Newly Signed Constitution”, 9 March 2026 
  • [3] Daily Nation, “Through constitutional reform, President Hassan Sheikh charts Somalia’s global integration”, 4 March 2026 
  • [4] Hiiraan Online, “Farmaajo slams revised constitution, warns of threat to national unity”, 9 March 2026 
  • [5] Garowe Online, “From Defiance to Dialogue: The Unfinished Business of Somali Federalism”, 24 March 2026 
  • [6] Mada Masr, “Another fracture in the Somali state? New constitution ends 12-year provisional governance but opens new crisis”, 10 March 2026 
  • [7] Agenzia Nova, “Somalia: Constitutional reform deepens rift between federal government and regional states”, 5 March 2026 
  • [8] Ministry of Information, Culture & Tourism (Somalia), “Federal Government of Somalia’s Weekly Briefing”, 6 March 2026 
  • [9] Eu SEE, “Jubaland opposition to federal constitutional process threatens inclusive civic participation”, March 2026 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *