ChatGPT Image Oct 25 2026 12 30 44 AM

تداعيات رفع العقوبات الأمريكية عن القوات المسلحة الإريترية على صوماليلاند

الكاتب: عبدالرحمن حسن 

المقدمة

تجد هذه الورقة أن رفع العقوبات الأمريكية عن قوات الدفاع الإريترية في 18 سبتمبر2026 سيضعف موقف التفاوضي لأرض الصومال على المدى القصير بالنسبة لمساعيها نحو الحصول على الاعتراف من امريكا تحديدا، ليس بسبب القرار نفسه، ولكن لأنهيعطي وزناً أكبر لدولة تقود المعسكر المعارض للاعتراف بها. في أعقاب القرار، وقعالرئيس إسياس أفورقي على “إعلان العلمين” مع كل من مصر والصومال والسودان،الذي يرفضون صراحة أي اعتراف أو دعم لأرض الصومال. تأتي النتائج بثلاث تداعيات: أولاً، تراجع احتمالية أن تتبع واشنطن إسرائيل في الاعتراف، حيث أن الإدارة الأمريكيةأقرب إلى المحور المعارض لهرجيسا. ثانياً، ميناء عصب هو منافس لبربرة من منظور أمنباب المندب. ثالثاً، بدء تحول الاعتراف الإسرائيلي من مكسب دبلوماسي إلى عبء يقودهمحور إقليمي منظم ضده. من ناحية أخرى، يفتح احتمال الحرب الإثيوبية الإريترية باباًلأرض الصومال: كلما أصبح من الصعب على أديس أبابا الوصول إلى عصب، زادتقيمة بربرة كبديل بحري، وزادت قدرة إسرائيل على جعل إثيوبيا أقرب إلى هرجيسا.

القرار الأمريكي

في 18 سبتمبر 2026، أنهت الولايات المتحدة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 14046 بإزالة قوات الدفاع الإريترية والحزب الحاكم ومؤسسة التجارة في البحر الأحمر منقوائمها، والتي قالت إنها “تعزز المصالح الإقليمية الأمريكية” في البحر الأحمر. رفع هذاالقرار العقوبات المالية لكن الحظر على تصدير الأسلحة الأمريكية إلى إريتريا بموجبلوائح ITAR لم يُرفع حتى تاريخ هذه الورقة. يأتي هذا القرار لصالح الطرف الامريكي والحلف الذي يتماهى معه (السعودية، مصر، السودان) وبالتالي يجعل التعامل الامريكي مع اريتريا بعيدا عقبات قانونية او سياسية تشغب عليه ، كما سيساعد هذا الوضع الجديد التحركات الامريكية العسكريو والامنية في المنطقة.

تراجع القيمة السياسية للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال

أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلةفي 26 ديسمبر 2025، جاء الاعتراف وفقاً لنتنياهو “بروح اتفاقيات إبراهيم، وبالرغم من وجود بعض التعاون الأمني إلا هذا الاعتراف لم يحفز “سلسلة من الاعترافات” كما كانتتأمل حكومة عبدالرحمن عرو ولم تتبع واشنطن الخطوة الاسرائيلية. في يونيو 2026،أفادت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بأن أرض الصومال جزء من الصومال، أما لموقف الإريتري من أرض الصومال فمنذ البداية رفضت الاعتراف الإسرائيلي. لكن ردفعلها لم يكن قاسياً مثلما كان رد فعلها ضد مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومالفي 2024، وقد فُسر ذلك على أنه موقف انتقائي من الحكومة الإريترية، لأن قلق أسمرةلم يكن بشأن أرض الصومال على الإطلاق بل بشأن إثيوبيا. لكن موقفها تشدد فيأكتوبر 2026 إثر توقيع اريتريا على إعلان العلمين حيث نفى صراحة الاعتراف بأرضالصومال وقال أفورقي حينها أن إدارة البحر الأحمر هي في الواقع مسؤولية الدولالساحلية وحدها. 

تأثير رفع العقوبات عن اريتريا على صوماليلاند

1. تعزيز المحور المناوئ للاعتراف

جاء القرار الأمريكي قبل ستة عشر يومًا من قمة العلمين، وبالتالي يدخل أفورقي القمة متحررًا من سوط العقوبات، وشريكًا مقبولًا لدى واشنطن. وهذا يمنح المحور الرباعي (مصر والصومال وإريتريا والسودان) غطاءً دبلوماسيًا أوسع حين يحتج على الاعتراف الإسرائيلي، إذ يضم الآن دولة تتقرب منها الإدارة الأمريكية لا دولة معاقبة.

ويرى محللون أن الاعتراف الإسرائيلي رسّخ أصلًا محورًا مصريًا إريتريًا صوماليًا يمتد إلى جيبوتي وسودان البرهان. ويقابله ما يسميه باحثون “محور بربرة” والذي يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، وقد قوض رفع العقوبات محور بربرة وأضاف ثقلًا إلى المحور الاول.

2. تراجع فرص الاعتراف الأمريكي

هذا أخطر التداعيات على هرجيسا، والتي راهنت على أن يفتح الاعتراف الإسرائيلي الطريق أمام اعتراف أمريكي، وعرضت في أكثر من مناسبة استعدادها لاستضافة قاعدة بحرية في بربرة مقابل الاعتراف، لكن ترامب صرّح بأنه لن يسارع إلى اتباع إسرائيل.

من جهة أخرى يعكس القرار الأمريكي تجاه إريتريا يكشف الأولوية الاستراتيجية لواشنطن في القرن الأفريقي وهي كسب الدول المشاطئة القائمة والاقتراب منها، لا تغيير الخرائط السياسية. فالاعتراف بصوماليلاند سيصطدم مباشرة بأسمرة والقاهرة ومقديشو في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى التعاون معها في البحر الأحمر. وهنا يُرجَّح أن يتأجل أي اعتراف أمريكي ما دامت إدارة ترامب تراهن على إريتريا.

3. عصب في مواجهة بربرة

كانت بربرة ورقة صوماليلاند الأقوى لدى واشنطن بحكم موقعها قبالة اليمن وقرب باب المندب، أما الآن فيبرز ميناء عصب الإريتري بديلًا محتملًا، وهو أقرب إلى المضيق مباشرة، وهنالك ميزة إضافية لعصب وهي إريتريا دولة معترف بها لا تحتاج إلى مقايضة الاعتراف، وهو ما يجعل عرضها أقل كلفة سياسية، وهذا قد يحول البلدان في المنطقة إلى متنافسين على عرض الخدمات الأمنية لواشنطن وحلفائها. لكن هذا التنافس يمكن ان يكون غير صفري؛ فالموقعان يقعان على ضفتين مختلفتين (البحر الأحمر وخليج عدن)، ويمكن أن يتم انشاء وصياغة علاقة تكاملية ضمن منظومة مراقبة واحدة.

4. إعادة تموضع إثيوبيا

يمكن أن تفتح الحرب في تيغراي والقطيعة الإثيوبية الإريترية في 1 أكتوبر/تشرين الأول نافذة لصوماليلاند. فإريتريا تتهم إثيوبيا بالسعي إلى الاستيلاء على عصب، وأي مواجهة طويلة الأجل ستجعل الرهان على ميناء عصب غير مجدية استراتيجيا ومحفوفة بالمخاطر وبالتالي ستجعل بربرة البديل البحري الأقرب أمام كل من أديس أبابا والولايات المتحدة الامريكية، لكن هذه المواجهة قد تجر صوماليلاند إلى بؤرة الصراع الأثيوبي الأريتيري، مما سيشكل خصما لاستقرارها السياسي وعبئا اقتصاديا جديدا.

ومن جانب آخر تبقى إثيوبيا مترددة في الاعتراف، خشية أن تطالب مقديشو بسحب قواتها من الصومال، وخشية أن تحذو عرقيات أثيوبية نفس المسار، وعليه فإن مذكرة التفاهم بينها وصوماليلاند ستبقى رافعة سياسية تفاوضية، مع بقاء استهدافها وتركيزها نحو عصب.

• البعد الإيراني والحوثي

تزامن رفع العقوبات مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، فغدا النشاط الحوثي في المنطقة عبئًا استراتيجيًا على الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه إلى حشد دعم دول المنطقة في حربها على ايران. ورغم عدم  وجود عن أي قاعدة عسكرية إسرائيلية أو أمريكية في صوماليلاند، توعّد زعيم الحوثيين بأن أي وجود إسرائيلي فيها او استغلال اراضيها عسكريا سيجعلها هدفًا عسكريًا مشروعًا. وفي هذا السياق، يمنح انفتاح واشنطن على أسمرة بديلًا عن الاعتماد على بربرة أقل كلفة، ما قد يقلّص حاجتها إلى هذا الميناء في المرحلة الراهنة.

السيناريوهات المحتملة

التوتر الإثيوبي الإريتري ردع هش بدون حرب واستمرار التقارب الأمريكي الإريتري تجميد ملف الاعتراف الأمريكي وتآكل نسبي لورقة بربرة عالية. حرب إثيوبية إريترية مفتوحة دفع إثيوبيا للوصول إلى عصب قيمة أعلى لبربرة، وخطر الانجرار إلى صراع المحور متوسط. إقامة وجود إسرائيلي في بربرة إعلان عن قاعدة أو ترتيبات عسكرية رسمية دعم أمني أكبر، مقابل استهداف الحوثيين وعزلة إقليمية أعمق متوسط إلى منخفض. تحول في الاعتراف في أولويات واشنطن اختراق دبلوماسي كبير منخفض

السيناريو الأول: احتواء التوتر الإثيوبي الإريتري وهو مرجّح بدرجة عالي، ويقوم على ردع هش يحول دون اندلاع الحرب، مع استمرار التقارب الأمريكي الإريتري. ويترتب عليه تجميد ملف الاعتراف الأمريكي بصوماليلاند، وتآكل نسبي في القيمة التفاوضية لورقة بربرة.

السيناريو الثاني: حرب إثيوبية إريترية مفتوحة وهي مرجّحة بدرجة متوسطة أو أقل، وتسعى فيه إثيوبيا إلى الوصول إلى ميناء عصب بالقوة. ويرفع ذلك القيمة الاستراتيجية لبربرة بديلًا بحريًا أكثر استقرارا، لكنه ينطوي في المقابل على خطر انجرار صوماليلاند إلى صراع المحاور الإقليمية.

ختاما … لم يستهدف القرار الأمريكي النابع من استراتيجيتها في القرن الافريقيصوماليلاند بل أعاد ترتيب البيئة السياسية في القرن الافريقي لصالح معارضيها. وعليه وضعت واشنطن نفسها أقرب إلى دولة ساحلية معترف بها ترفض الاعتراف بهرجيسا، وهو ما عزز من المحور الرافض للاعتراف بصوماليلاند، فيما تراجع وزن محور الدولالداعمة للاعتراف. وهذه التحولات في المنطقة وتفاعلات الادوار الاقليمية فيها سيجعل مسقبل هرجيسا رهنا لما قد يترتب على ارض الواقع من نتائج.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *